في إحداث النتائج ، وتحقيق المصاير ، وتدبير الأمر بحكمته ، وتقبل ما يجيء به قدر اللّه في اطمئنان أيا كان .
إنه التوازن العجيب ، الذي لا يعرفه القلب البشري إلا في الإسلام .
161 - ثم يعود إلى الحديث عن النبوة وخصائصها الخلقية ؛ ليمد من هذا المحور خيوطا في التوجيه للأمانة ، والنهي عن الغلول ، والتذكير بالحساب ، وتوفية النفوس دون إجحاف :
« وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ . وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ . ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ »
. .
ولقد كان من بين العوامل التي جعلت الرماة يزايلون مكانهم من الجبل ، خوفهم ألا يقسم لهم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من الغنائم ! كذلك كان بعض المنافقين قد تكلموا بأن بعض غنائم بدر من قبل قد اختفت ؛ ولم يستحوا أن يهمسوا باسمه - صلى اللّه عليه وسلم - في هذا المجال .
فهنا يأتي السياق بحكم عام ينفي عن الأنبياء عامة إمكان أن يغلوا . . أي أن يحتجزوا شيئا من الأموال والغنائم أو يقسموا لبعض الجند دون بعض ، أو يخونوا إجمالا في شيء :
« وَما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ »
. .
ما كان له . فهو ليس من شأنه أصلا ولا من طبعه ولا من خلقه . فالنفي هنا نفي لإمكان وقوع الفعل .
وليس نفيا لحله أو جوازه . فطبيعة النبي الأمينة العادلة العفيفة لا يتأتي أن يقع منها الغلول ابتداء . . وفي قراءة :
« يَغُلَّ »
على بناء الفعل لغير الفاعل . أي لا يجوز أن يخان . ولا أن يخفي عنه أتباعه شيئا . . فيكون نهيا عن خيانة النبي في شيء . وهو يتمشى مع عجز الآية . وهي قراءة الحسن البصري .
ثم يهدد الذين يغلون ، ويخفون شيئا من المال العام أو من الغنائم ، ذلك التهديد المخيف :
« وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ . ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ »
. .
روى الإمام أحمد . حدثنا سفيان عن الزهري ، سمع عروة يقول : حدثنا أبو حميد الساعدي قال : استعمل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية . على الصدقة . فجاء فقال : هذا لكم وهذا أهدي إلي . فقام رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - على المنبر فقال : « ما بال العامل نبعثه على عمل فيقول : هذا لكم وهذا أهدي إلي . أفلا جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيهدى إليه أم لا ؟ والذي نفس محمد بيده ، لا يأتي أحدكم منها بشيء إلا جاء به يوم القيامة على رقبته ، وإن بعيرا له رغاء ، أو بقرة لها خوار ، أو شاة تيعر » . . ثم رفع يديه حتى رأينا عفرة إبطيه . ثم قال : « اللهم هل بلغت ؟ » - ثلاثا - . . ( وأخرجه الشيخان ) وروى الإمام أحمد بإسناده ، عن أبي هريرة قال : قام فينا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يوما فذكر الغلول ، فعظمه وعظم أمره . ثم قال : « لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رغاء ، فيقول : يا رسول اللّه أغثني . فأقول : لا أملك لك من اللّه شيئا قد بلغتك . لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرس لها حمحمة ، فيقول : يا رسول اللّه أغثني ، فأقول : لا أملك لك من اللّه شيئا قد بلغتك . لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامت . فيقول : يا رسول اللّه أغثني . فأقول : لا أملك لك من اللّه شيئا قد بلغتك » . . وأخرجه الشيخان من حديث أبي حيان ) . .
وروى الإمام أحمد - بإسناده - عن عدي بن عميرة الكندي . قال : قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - :