وكان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قد رأى في منامه : أن في سيفه ثلمة ، ورأى أن بقرا تذبح ، وأنه أدخل يده في درع حصينة . . فتأول الثلمة في سيفه برجل يصاب من أهل بيته . وتأول البقر بنفر من أصحابه يقتلون . وتأول الدرع بالمدينة . . وكان إذن يرى عاقبة المعركة . ولكنه في الوقت ذاته كان يمضي نظام الشورى ، ونظام الحركة بعد الشورى . . لقد كان يربي أمة . والأمم تربى بالأحداث ، وبرصيد التجارب الذي تتمخض عنه الأحداث . . ثم لقد كان يمضي قدر اللّه ، الذي تستقر عليه مشاعره ، ويستقر عليه قلبه ، فيمضي وفق مواقع هذا القدر ، كما يحسها في قلبه الموصول . .
وخرج رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في ألف من أصحابه ، واستعمل ابن أم مكتوم على الصلاة بمن بقي في المدينة ، فلما صار بين المدينة وأحد ، انعزل رأس النفاق : عبد اللّه بن أبي بنحو ثلث العسكر . وقال :
يخالفني ويسمع للفتية ! فتبعهم عبد اللّه بن عمرو بن حرام - والد جابر بن عبد اللّه - رضي اللّه عنهما - يوبخهم ويحضهم على الرجوع . ويقول : تعالوا قاتلوا في سبيل اللّه ، أو ادفعوا . قالوا : لو نعلم أنكم تقاتلون لم نرجع ! فرجع عنهم وسبهم .
وسأله قوم من الأنصار أن يستعينوا بحلفائهم من يهود . . فأبي - صلى اللّه عليه وسلم - فالمعركة هي معركة الإيمان والكفر فما ليهود بها ؟ والنصر من عند اللّه - حين يصح التوكل عليه وتتجرد القلوب له - وقال : « من رجل يخرج بنا على القوم من كثب ؟ » فخرج به بعض الأنصار حتى نزل الشعب من أحد في عدوة الوادي ، وجعل ظهره إلى أحد ، ونهى الناس عن القتال حتى يأمرهم .
فلما أصبح تعبأ للقتال في سبعمائة ، فيهم خمسون فارسا ، واستعمل على الرماة - وكانوا خمسين - عبد اللّه ابن جبير ، وأمره وأصحابه أن يلزموا مركزهم ، وألا يفارقوه ولو رأوا الطير تتخطف العسكر . وكانوا خلف الجيش . وأمرهم أن ينضحوا المشركين بالنبل لئلا يأتوا المسلمين من ورائهم .
وظاهر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بين درعين . وأعطى اللواء مصعب بن عمير . وجعل على إحدى المجنبتين الزبير بن العوام ، وعلى الأخرى المنذر بن عمرو . واستعرض الشبان يومئذ ، فرد من استصغره عن القتال . وكان منهم عبد اللّه بن عمرو ، وأسامة بن زيد ، وأسيد بن ظهير ، والبراء بن عازب ، وزيد ابن أرقم ، وزيد بن ثابت ، وعرابة بن أوس ، وعمرو بن حزام . وأجاز من رآه مطيقا . وكان منهم سمرة بن جندب ، ورافع بن خديج ، ولهما خمس عشرة سنة ! وتعبأت قريش للقتال وهم في ثلاثة آلاف . وفيهم مائتا فارس . فجعلوا على ميمنتهم خالد بن الوليد ، وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل .
ودفع رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - سيفه إلى أبي دجانة سماك بن خرشة . وكان شجاعا بطلا يختال عند الحرب .
وكان أول من بدر من المشركين أبو عامر الفاسق . وكان يسمى « الراهب » فسماه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - « الفاسق » . وكان رأس الأوس في الجاهلية . فلما جاء الإسلام شرق به ، وجاهر رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بالعداوة ، فخرج من المدينة ، وذهب إلى قريش يؤلبهم على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ويحضهم على قتاله . ووعدهم بأن قومه إذا رأوه أطاعوه ومالوا معه . فكان أول من لقي المسلمين . فنادى قومه ، وتعرف إليهم . فقالوا له : لا أنعم اللّه بك عينا يا فاسق ! فقال : لقد أصاب قومي بعدي شر ! ثم قاتل المسلمين قتالا شديدا .
في ظلال القرآن — صفحة 461
مساهمون: سيد قطب
ص٤٦١