تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 459

مساهمون:

ص٤٥٩
وعدم الإصرار ؛ فجعلها كلها مناط الرضوان . كما عرج على رحمة اللّه المتمثلة في رحمة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - ولين قلبه للناس . وعلى مبدأ الشورى وتقريره في أحرج الأوقات . وعلى الأمانة التي تمنع الغلول . وعلى البذل والتحذير من البخل في نهاية ما نزل في التعقيب على الغزوة من آيات . . عرج على هذا كله . لأنه مادة إعداد الجماعة المسلمة للمعركة في نطاقها الواسع ؛ الذي يتضمن المعركة الحربية في إطاره ولا يقتصر عليها . معركة التعبئة الكاملة للانتصار الكبير . الانتصار على النفس والشهوات والمطامع والأحقاد ، والانتصار في تقرير القيم والأوضاع السليمة لحياة الجماعة الشاملة . وعرج على هذا كله ليشير إلى وحدة هذه العقيدة في مواجهة الكينونة البشرية ونشاطها كله . ورده كله إلى محور واحد : محور العبادة للّه ، والعبودية له ، والتوجه إليه في حساسية وتقوى . وإلى وحدة منهج اللّه في الهيمنة على الكينونة البشرية كلها ، في كل حال من أحوالها . وإلى الترابط بين جميع هذه الأحوال في ظل هذا المنهج . وإلى وحدة النتائج النهائية للنشاط الإنساني كله ، وتأثير كل حركة من حركات النفس ، وكل جزئية من جزئيات التنظيم في هذه النتائج النهائية . وإذن فهذه التوجيهات الشاملة ليست بمعزل عن المعركة . فالنفس لا تنتصر في المعركة الحربية إلا حين تنتصر في المعارك الشعورية والأخلاقية والنظامية ، والذين تولوا يوم التقى الجمعان في « أحد » إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا من الذنوب . والذين انتصروا في معارك العقيدة وراء أنبيائهم هم الذين بدءوا المعركة بالاستغفار من الذنوب ، والالتجاء إلى اللّه ، والالتصاق بركنه الركين . والتطهر من الذنوب إذن والالتصاق باللّه ، والرجوع إلى كنفه من عدة النصر ، وليست بمعزل عن الميدان ! واطراح النظام الربوي إلى النظام التعاوني من عدة النصر ؛ والمجتمع التعاوني أقرب إلى النصر من المجتمع الربوي . وكظم الغيظ والعفو عن الناس من عدة النصر ، فالسيطرة على النفس قوة من قوى المعركة ، والتضامن والتواد في المجتمع المتسامح قوة ذات فاعلية كذلك . كذلك كان من الحقائق التي اتكأ عليها السياق من بدئه إلى نهايته . . حقيقة قدر اللّه . ورد الأمر إليه جملة . وتصحيح التصور في هذه النقطة تصحيحا حاسما جازما . وفي الوقت ذاته تقرير سنة اللّه في ترتيب العواقب التي تحل بالبشر على ما يصدر من سعيهم ونشاطهم ، وخطئهم وإصابتهم ، وطاعتهم ومعصيتهم ، وتمسكهم بالمنهج وتفريطهم فيه . واعتبارهم بعد هذا كله ستارا للقدرة ، وأداة للمشيئة ، وقدرا من قدر اللّه يحقق به ما يشاء سبحانه . ثم . . في النهاية . . إشعار الجماعة المسلمة أن ليس لها من أمر النصر شيء . إنما هو تدبير اللّه لتنفيذ قدره ، من خلال جهادها . وأجرها هي على اللّه . وليس لها من ثمار النصر شيء من أشياء هذه الأرض . ولا لحسابها الخاص يؤتيها اللّه النصر إذ يشاء . إنما لحساب الأهداف العليا التي يشاؤها اللّه . وكذلك الهزيمة . فإنها حين تقع بناء على جريان سنة اللّه ، وفق ما يقع من الجماعة المسلمة من تقصير وتفريط ، إنما تقع لتحقيق غايات يقدرها اللّه بحكمته وعلمه ؛ لتمحيص النفوس ، وتمييز الصفوف ، وتجلية الحقائق ، وإقرار القيم ، وإقامة الموازين ، وجلاء السنن للمستبصرين . . ولا قيمة ولا وزن في نظر الإسلام للانتصار العسكري أو السياسي أو الاقتصادي ؛ ما لم يقم هذا كله على أساس المنهج الرباني ، في الانتصار على النفس ، والغلبة على الهوى ، والفوز على الشهوة . وتقرير الحق الذي أراده اللّه في حياة الناس . ليكون كل نصر نصرا للّه ولمنهج اللّه . وليكون كل جهد في سبيل اللّه ومنهج اللّه . وإلا فهي جاهلية تنتصر على جاهلية . ولا خير فيها للحياة ولا للبشرية . إنما الخير أن ترتفع راية الحق لذات