وكانت هذه الحصيلة الضخمة التي استقرت في الجماعة المسلمة من وراء الأحداث ، ومن وراء التوجيهات القرآنية بعد الأحداث ، أكبر وأخطر - بما لا يقاس - من حصيلة النصر والغنيمة . . لو عاد المسلمون من الغزوة بالنصر والغنيمة . . وقد كانت الجماعة المسلمة إذ ذاك أحوج ما تكون لهذه الحصيلة الضخمة . . كانت أحوج إليها ألف مرة من حصيلة النصر والغنيمة . وكان الرصيد الباقي منها للأمة المسلمة في كل جيل أهم وأبقى كذلك من حصيلة النصر والغنيمة . وكان تدبير اللّه العلوي من وراء ما بدا في الموقعة من ظواهر النقص والضعف والتميع والغبش في الصف المسلم ، ومن وراء الهزيمة التي نشأت عن هذه الظواهر . . كان تدبير اللّه العلوي من وراء هذا الذي وقع وفق سنة اللّه الجارية ، حسب أسبابه الطبيعية الظاهرة ، تدبيرا كله الخير للجماعة المسلمة في ذلك الحين ، لتنال هذه الحصيلة الضخمة من العبرة والتربية ، والوعي والنضج ، والتمحيص والتميز ، والتنسيق والتنظيم . وليبقى للأمة المسلمة في أجيالها المتعاقبة هذا الرصيد من التجارب والحقائق والتوجيهات التي لا تقدر بثمن . ولو كان هذا الثمن هو النصر والغنيمة ! لقد انتهت المعركة في ميدان الأرض ، ليبدأها القرآن في ميدانها الأكبر : ميدان النفس ، وميدان الحياة الشاملة للجماعة المسلمة . وصنع بهذه الجماعة ما تصنعه يد اللّه ، عن علم وعن حكمة ، وعن خبرة ، وعن بصيرة . وكان ما شاءه اللّه وما دبره . وكان فيه الخير العظيم ، من وراء الضر والأذى والابتلاء الشاق المرير .
ولعل مما يلفت النظر في التعقيب القرآني على أحداث المعركة هو ذلك الازدواج العجيب بين استعراض مشاهدها ووقائعها ، والتوجيهات المباشرة على هذه المشاهد والوقائع . . وبين التوجيهات الأخرى المتعلقة بتصفية النفوس ، وتخليصها من غبش التصور ، وتحريرها من ربقة الشهوات ، وثقلة المطامع ، وظلام الأحقاد ، وظلمة الخطيئة ، وضعف الحرص والشح . والرغبات الدفينة .
ولعل مما يلفت النظر أكثر ، الكلام - في صدد التعقيب على معركة حربية - عن الربا والنهي عنه ، وعن الشورى والأخذ بها ، على الرغم مما كان للشورى من معقبات ظاهرية في النتائج السيئة للمعركة ! ثم . . سعة المساحة التي يعمل فيها المنهج القرآني في النفس البشرية ، وفي الحياة الإنسانية ، وتعدد نقط الحركة فيها ، وتداخلها ، وتكاملها العجيب . .
ولكن الذين يدركون طبيعة هذا المنهج الرباني لا يعجبون لشيء من ذلك الازدواج وهذه السعة ، وهذا التداخل ، وهذا التكامل . فالمعركة الحربية في الحركة الإسلامية ليست معركة أسلحة وخيل ورجال وعدة وعتاد ، وتدبير حربي فحسب . . فهذه المعركة الجزئية ليست منعزلة عن المعركة الكبرى في عالم الضمير ، وعالم التنظيم الاجتماعي للجماعة المسلمة . . إنها ذات ارتباط وثيق بصفاء ذلك الضمير ، وخلوصه ، وتجرده ، وتحرره من الأوهاق والقيود التي تطمس على شفافيته ، وتقعد به دون الفرار إلى اللّه ! وكذلك هي ذات ارتباط وثيق بالأوضاع التنظيمية التي تقوم عليها حياة الجماعة المسلمة ، وفق منهج اللّه القويم . المنهج الذي يقوم على الشورى في الحياة كلها - لا في نظام الحكم وحده - وعلى النظام التعاوني لا النظام الربوي . والتعاون والربا لا يجتمعان في نظام ! والقرآن كان يعالج الجماعة المسلمة ، على إثر معركة لم تكن - كما قلنا - معركة في ميدان القتال وحده .
إنما كانت معركة في الميدان الأكبر . ميدان النفس البشرية ، وميدان الحياة الواقعية . . ومن ثم عرج على الربا فنهى عنه ؛ وعرج على الإنفاق في السراء والضراء فحض عليه ؛ وعرج على طاعة اللّه ورسوله فجعلها مناط الرحمة ؛ وعرج على كظم الغيظ والعفو عن الناس ، وعلى الإحسان والتطهر من الخطيئة بالاستغفار ، والتوبة
في ظلال القرآن — صفحة 458
مساهمون: سيد قطب
ص٤٥٨