أن قال : يا عدو اللّه . إن الذين ذكرتهم أحياء . وقد أبقى اللّه لك ما يسوؤك ! فقال : قد كان في القوم مثلة ، لم آمر بها ولم تسؤني ! ( يشير بذلك إلى ما صنعته زوجه هند بجثمان حمزة - رضي اللّه عنه - بعد أن قتله وحشي حين بقرت بطنه ، واستخرجت كبده . فلاكتها ثمّ لفظتها ! ) ثم قال : اعل هبل ! فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ألا تجيبونه ؟ قالوا : بما ذا نجيبه ؟ قال :
قولوا : اللّه أعلى وأجل . قال : لنا العزى ولا عزى لكم ! قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ألا تجيبونه ؟ قالوا : بما ذا نجيبه ؟ قال : قولوا : اللّه مولانا ولا مولى لكم . . قال أبو سفيان : يوم بيوم بدر والحرب سجال . فقال عمر - رضي اللّه عنه - : لا سواء . قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار .
ولما انقضت المعركة انصرف المشركون ، فظن المسلمون أنهم قصدوا المدينة لسبي الذراري وإحراز الأموال .
فشق ذلك عليهم . فقال النبي - صلى اللّه عليه وسلم - لعلي بن أبي طالب - رضي اللّه عنه - « اخرج في آثار القوم ، فانظر ما ذا يصنعون ، وما ذا يريدون . فإن هم جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة . وإن كانوا ركبوا الخيل وساقوا الإبل فإنهم يريدون المدينة . فوالذي نفسي بيده لو أرادوها لأسيرن إليهم ثم لأناجزهم فيها » . .
قال علي : فخرجت في آثارهم انظر ما ذا يصنعون . فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل ، ووجهوا مكة .
فلما كانوا في بعض الطريق تلاوموا فيما بينهم ، وقال بعضهم : لم تصنعوا شيئا ، أصبتم شوكتهم وحدهم ، ثم تركتموهم وقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم . فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم . . فبلغ ذلك رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فنادى في الناس ، وندبهم إلى المسير إلى لقاء عدوهم وقال : « لا يخرج معنا إلا من شهد القتال . فقال له عبد اللّه بن أبي : أركب معك . قال : لا . فاستجاب له المسلمون على ما بهم من الجرح الشديد والخوف ؛ وقالوا : سمعا وطاعة . وأستأذنه جابر بن عبد اللّه . وقال : يا رسول اللّه إني أحب ألا تشهد مشهدا إلا كنت معك ، وإنما خلفني أبي على بناته يوم أحد ، فأذن لي أسير معك ، فأذن له ، فسار رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد ؛ وأقبل معبد بن أبي معبد الخزاعي إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فأمره أن يلحق بأبي سفيان فيخذّله ، فلحقه بالروحاء ، ولم يعلم بإسلامه ، فقال : وما وراءك يا معبد ؟ فقال : محمد وأصحابه قد تحرقوا عليكم ، وخرجوا في جمع لم يخرجوا في مثله ، وقد ندم من كان تخلف عنهم من أصحابهم . فقال : ما تقول ؟ فقال : ما أرى أن ترتحل حتى يطلع الجيش وراء هذه الأكمة ! فقال أبو سفيان : واللّه لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم . قال : فلا تفعل فإني لك ناصح ! فرجعوا على أعقابهم إلى مكة .
ولقي أبو سفيان بعض المشركين يريدون المدينة ؛ فقال : هل لك أن تبلغ محمدا رسالة ، وأوقر لك راحلتك زبيبا إذا أتيت إلى مكة ؟ قال : نعم . قال : أبلغ محمدا أنا قد جمعنا الكرة لنستأصله ونستأصل أصحابه . فلما بلغهم قوله قالوا : حسبنا اللّه ونعم الوكيل . ولم يفت ذلك في عضدهم . وأقاموا ثلاثة أيام ينتظرون . ثم عرفوا أن المشركين أبعدوا في طريقهم إلى مكة منصرفين . فعادوا إلى المدينة . .
* * * وبعد فإن هذا الملخص لأحداث الغزوة لا يصور كل جوانبها ، ولا يسجل كل ما وقع فيها ، مما هو موضع المثل والعبرة . . ومن ثم نذكر بعض الوقائع الموحية ، تكملة لرسم الجو واستحيائه :
كان عمرو ابن قميئة من المشركين الذين خلصوا إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - حين أفرد في فترة
في ظلال القرآن — صفحة 463
مساهمون: سيد قطب
ص٤٦٣