تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 462

مساهمون:

ص٤٦٢
ولما نشب القتال أبلى أبو دجانة الأنصاري بلاء حسنا . هو وطلحة بن عبيد اللّه ، وحمزة بن عبد المطلب ، وعلي بن أبي طالب ، والنضر بن أنس ، وسعد بن الربيع . . وكانت الدولة أول النهار للمسلمين على الكفار ؛ حيث قتل من هؤلاء سبعون من صناديدهم . وانهزم أعداء اللّه وولوا مدبرين . حتى انتهوا إلى نسائهم . وحتى شمرت النساء ثيابهن عن أرجلهن هاربات ! فلما رأى الرماة هزيمة المشركين وانكشافهم ، تركوا مراكزهم التي أمرهم رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ألا يبرحوها . وقالوا : يا قوم ، الغنيمة ! الغنيمة ! فذكرهم أميرهم عهد رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فلم يسمعوا ، وظنوا أن ليس للمشركين رجعة ! فذهبوا في طلب الغنيمة ، وأخلوا الثغر في أحد ! عندئذ أدركها خالد ، فكّر في خيل المشركين ، فوجدوا الثغر خاليا فاحتلوه من خلف ظهور المسلمين . وأقبل المنهزمون من المشركين حين رأوا خالدا والفرسان قد علوا المسلمين ، فأحاطوا بهم ! وانقلبت المعركة ، فدارت الدائرة على المسلمين ، ووقع الهرج والمرج في الصف ، واستولى الاضطراب والذعر ، لهول المفاجأة التي لم يتوقعها أحد . وكثر القتل واستشهد من المسلمين من كتب اللّه له الشهادة ، وخلص المشركون إلى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وقد أفرد إلا من نفر يعدون على الأصابع قاتلوا عنه حتى قتلوا . وقد جرح وجهه - صلى اللّه عليه وسلم - وكسرت سنه الرباعية اليمنى في الفك الأسفل . وهشمت البيضة على رأسه . ورماه المشركون بالحجارة حتى وقع لجنبه ، وسقط في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق قد حفرها وغطاها ! يكيد بها المسلمين . وغاصت حلقتان من حلق المغفر في وجنته . وفي وسط هذا الهول المحيط بالمسلمين صاح صائح : أن محمدا قتل . . فكانت الطامة التي هدت ما بقي من قواهم ، فانقلبوا على أعقابهم مهزومين هزيمة منكرة لا يحاولون قتالا ، مما أصابهم من اليأس والكلال ! ولما انهزم الناس لم ينهزم أنس بن النضر - رضي اللّه عنه - وقد انتهى إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد اللّه في رجال من المهاجرين والأنصار قد ألقوا بأيديهم ! فقال : ما يجلسكم ؟ فقالوا : قتل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : فما تصنعون بالحياة بعده ؟ فقوموا فموتوا على ما مات عليه رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ثم استقبل المشركين ولقي سعد بن معاذ فقال : يا سعد واها لريح الجنة إني أجدها من دون أحد ! فقاتل حتى قتل . . ووجد به بضع وسبعون ضربة . ولم تعرفه إلا أخته . عرفته ببنانه . . وأقبل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - نحو المسلمين . وكان أول من عرفه تحت المغفر ، كعب بن مالك . فصاح بأعلى صوته : يا معشر المسلمين . أبشروا . هذا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فأشار بيده : أن اسكت . واجتمع إليه المسلمون . ونهضوا معه إلى الشعب . وفيهم أبو بكر وعمر والحارث بن الصمة الأنصاري وغيرهم . . فلما امتدوا صعودا في الجبل أدرك رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أبي بن خلف على جواد له اسمه العود . كان يطعمه في مكة ويقول : أقتل عليه محمدا . فلما سمع بذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : بل أنا أقتله إن شاء اللّه . . فلما أدركه تناول - صلى اللّه عليه وسلم - الحربة من الحارث وطعن بها عدو اللّه في ترقوته . فذهب يخور كالثور . وقد أيقن أنه مقتول . كما قال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - من قبل ! ومات بالفعل في طريق عودته ! وأشرف أبو سفيان على الجبل فنادى : أفيكم محمد ؟ فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - لا تجيبوه . فقال : أفيكم ابن أبي قحافة ؟ فلم يجيبوه . فقال : أفيكم عمر بن الخطاب ؟ فلم يجيبوه . ولم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة . فقال : مخاطبا قومه : أما هؤلاء فقد كفيتموهم . فلم يملك عمر - رضي اللّه عنه - نفسه