تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 460

مساهمون:

ص٤٦٠
الحق . والحق واحد لا يتعدد . إنه منهج اللّه وحده . ولا حق في هذا الكون غيره . وانتصاره لا يتم حتى يتم أولا في ميدان النفس البشرية . وفي نظام الحياة الواقعية . وحين تخلص النفس من حظ ذاتها في ذاتها ، ومن مطامعها وشهواتها ، ومن أدرانها وأحقادها ، ومن قيودها وأصفادها . وحين تفر إلى اللّه متحررة من هذه الأثقال والأوهاق . وحين تنسلخ من قوتها ومن وسائلها ومن أسبابها ، لتكل الأمر كله إلى اللّه ، بعد الوفاء بواجبها من الجهد والحركة . وحين تحكم منهج اللّه في الأمر كله ، وتعد هذا التحكيم هو غاية جهادها وانتصارها . حين يتم هذا كله يحتسب الانتصار في المعركة الحربية أو السياسية أو الاقتصادية انتصارا . في ميزان اللّه . وإلا فهو انتصار الجاهلية على الجاهلية ، الذي لا وزن له عند اللّه ولا قيمة ! ومن ثم كان ذلك الازدواج ، وكان ذلك الشمول ، في التعقيب على المعركة التي دارت يوم أحد ، في ذلك الميدان الفسيح ، الذي يعد ميدان القتال جانبا واحدا من جوانبه الكثيرة . * * * وقبل أن نأخذ في استعراض ذلك التعقيب القرآني على أحداث المعركة يحسن أن نلخص وقائعها كما وردت في روايات السيرة ؛ لندرك مواضع التعقيب والتوجيه حق الإدراك ، ولنراقب طريقة التربية الإلهية بالقرآن الكريم ، في تناول الوقائع والأحداث : كان المسلمون قد انتصروا في بدر ، ذلك الانتصار الكامل ، الذي تبدو فيه - في ظل الظروف التي وقع فيها - رائحة المعجزة . وقد قتل اللّه بأيديهم أئمة الكفر ورءوسه من قريش . فرأس في قريش أبو سفيان بن حرب - بعد ذهاب أشرافهم في بدر - فأخذ يؤلب على المسلمين لأخذ الثأر . وكانت القافلة التي تحمل متاجر قريش قد نجت فلم تقع في أيدي المسلمين ؛ فتآمر المشركون على رصد ما فيها من أموال لحرب المسلمين . وقد جمع أبو سفيان قريبا من ثلاثة آلاف من قريش وأحلافهم والأحابيش « 1 » وخرج بهم في شوال من السنة الثالثة للهجرة ؛ وجاءوا معهم بنسائهم ليحاموا عنهن ولا يفروا . ثم أقبل بهم نحو المدينة ، فنزل قريبا من جبل أحد . واستشار رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أصحابه : أيخرج إليهم ، أم يمكث في المدينة ؟ وكان رأيه ألّا يخرجوا من المدينة ، وأن يتحصنوا بها ؛ فإن دخلوها قاتلهم المسلمون على أفواه الأزقة ، والنساء من فوق البيوت « 2 » . ووافقه على هذا الرأي عبد اللّه بن أبي ( رأس المنافقين ) فبادرت جماعة كبيرة من الصحابة - ومعظمهم من الشبان ممن فاتهم يوم بدر - فأشاروا عليه بالخروج وألحوا عليه في ذلك . حتى بدا أن هذا هو الرأي السائد في الجماعة . فنهض - صلى اللّه عليه وسلم - ودخل بيته - بيت عائشة - رضي اللّه عنها - ولبس لأمته ، وخرج عليهم ، وقد انثنى عزم أولئك . وقالوا : أكرهنا رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - على الخروج ! فقالوا : يا رسول اللّه ، إن أحببت أن تمكث في المدينة فافعل . فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - « ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم اللّه بينه وبين عدوه » . . وألقى عليهم بذلك درسا نبويا عاليا ؛ فللشورى وقتها حتى إذا انتهت جاء وقت العزم والمضي والتوكل على اللّه . ولم يعد هناك مجال للتردد ، وإعادة الشورى والتأرجح بين الآراء . . إنما تمضي الأمور لغاياتها ويفعل اللّه بعد ذلك ما يشاء . .
هامش
( 1 ) هم من الأعراب . وقد سموا كذلك لتحالفهم إلى جوار مكان يقال له : الأحبش . ( 2 ) اعتمدنا في تقرير أن هذا كان رأي النبي - صلى اللّه عليه وسلم - على ما قرره الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه : زاد المعاد .
في ظلال القرآن — صفحة 460 | سيد قطب