« إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ »
. .
الإسلام الذي هو ليس مجرد دعوى ، وليس مجرد راية ، وليس مجرد كلمة تقال باللسان ؛ ولا حتى تصورا يشتمل عليه القلب في سكون ؛ ولا شعائر فردية يؤديها الأفراد في الصلاة والحج والصيام . . لا . فهذا ليس بالإسلام الذي لا يرضى اللّه من الناس دينا سواه . إنما الإسلام الاستسلام . الإسلام الطاعة والاتباع . الإسلام تحكيم كتاب اللّه في أمور العباد . . كما سيجيء في السياق القرآني ذاته بعد قليل .
والإسلام توحيد الألوهية والقوامة . . بينما كان أهل الكتاب يخلطون بين ذات اللّه - سبحانه - وذات المسيح - عليه السلام - كما يخلطون بين إرادة اللّه وإرادة المسيح أيضا . . ويختلفون فيما بينهم على هذه التصورات اختلافا عنيفا يصل في أحيان كثيرة إلى حد القتل والقتال . . هنا يبين اللّه لأهل الكتاب وللجماعة المسلمة علة هذا الاختلاف :
« وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ . بَغْياً بَيْنَهُمْ »
.
إنه ليس اختلافا عن جهل بحقيقة الأمر . فقد جاءهم العلم القاطع بوحدانية اللّه ، وتفرد الألوهية . وبطبيعة البشرية ، وحقيقة العبودية . . ولكنهم إنما اختلفوا
« بَغْياً بَيْنَهُمْ »
واعتداء وظلما ؛ حينما تخلوا عن قسط اللّه وعدله الذي تتضمنه عقيدته وشريعته وكتبه .
وقد رأينا فيما نقلناه عن المؤلف المسيحي الحديث كيف كانت التيارات السياسية تخلق هذه الاختلافات المذهبية . وليس هذا إلا نموذجا مما تكرر وقوعه في حياة اليهودية والمسيحية . وقد رأينا كيف كانت كراهية مصر والشام وما إليهما للحكم الروماني سببا في رفض المذهب الروماني الرسمي والتمذهب بمذهب آخر ! كما كان حرص بعض القياصرة على التوفيق بين أجزاء مملكته سببا في ابتداع مذهب وسط ، يظن أنه يوفق بين الأغراض جميعا ! ! كأنما العقيدة لعبة تستخدم في المناورات السياسية والوطنية ! وهذا هو البغي أشنع البغي .
عن قصد وعن علم ! ومن ثم يجيء التهديد القاصم في موضعه المناسب :
« وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ »
. .
وقد عد الاختلاف على حقيقة التوحيد كفرا ؛ وهدد الكافرين بسرعة الحساب ؛ كيلا يكون الإمهال - إلى أجل - مدعاة للجاجة في الكفر والإنكار والاختلاف . .
20 - ثم لقن نبيه - صلى اللّه عليه وسلم - فصل الخطاب في موقفه من أهل الكتاب والمشركين جميعا . ليحسم الأمر معهم عن بينة ، ويدع أمرهم بعد ذلك للّه ، ويمضي في طريقه الواضح متميزا متفردا :
« فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ : أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ . وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ ؟ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا . وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ . وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ »
. .
إنه لا سبيل إلى مزيد من الإيضاح بعد ما تقدم . فإما اعتراف بوحدة الألوهية والقوامة ، وإذن فلا بد من الإسلام والاتباع . وإما مماحكة ومداورة . وإذن فلا توحيد ولا إسلام .
ومن ثم يلقن اللّه - تعالى - رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - كلمة واحدة تبين عقيدته كما تبين منهج حياته :
« فَإِنْ حَاجُّوكَ »
- أي في التوحيد وفي الدين -
« فَقُلْ : أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ »
أنا
« وَمَنِ اتَّبَعَنِ »
. . والتعبير بالاتباع ذو مغزى هنا . فليس هو مجرد التصديق . إنما هو الاتباع . كما أن التعبير بإسلام الوجه ذو مغزى