« اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ »
. . فهي قوامة بالقسط .
وتدبير اللّه لهذا الكون ولحياة الناس متلبس دائما بالقسط - وهو العدل - فلا يتحقق العدل المطلق في حياة الناس ، ولا تستقيم أمورهم استقامة أمور الكون ، التي يؤدي كل كائن معها دوره في تناسق مطلق مع دور كل كائن آخر . . لا يتحقق هذا إلا بتحكيم منهج اللّه الذي اختاره لحياة الناس ، وبينه في كتابه . وإلا فلا قسط ولا عدل ، ولا استقامة ولا تناسق ، ولا تلاؤم بين دورة الكون ودورة الإنسان . وهو الظلم إذن والتصادم والتشتت والضياع ! وها نحن أولاء نرى على مدار التاريخ أن الفترات التي حكم فيها كتاب اللّه وحدها هي التي ذاق فيها الناس طعم القسط ، واستقامت حياتهم استقامة دورة الفلك - بقدر ما تطيق طبيعة البشر المتميزة بالجنوح إلى الطاعة والجنوح إلى المعصية ، والتأرجح بين هذا وذاك ؛ والقرب من الطاعة كلما قام منهج اللّه ، وحكم في حياة الناس كتاب اللّه . وأنه حيثما حكم في حياة الناس منهج آخر من صنع البشر ، لازمه جهل البشر وقصور البشر . كما لازمه الظلم والتناقض في صورة من الصور . ظلم الفرد للجماعة . أو ظلم الجماعة للفرد . أو ظلم طبقة لطبقة .
أو ظلم أمة لأمة . أو ظلم جيل لجيل . . وعدل اللّه وحده هو المبرأ من الميل لأي من هؤلاء . وهو إله جميع العباد . وهو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء .
« لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
. .
يؤكد حقيقة وحدة الألوهية مرة أخرى في الآية الواحدة ، مصحوبة بصفة العزة وصفة الحكمة . والقدرة والحكمة لازمتان كلتاهما للقوامة بالقسط . فالقسط يقوم على وضع الأمور في مواضعها مع القدرة على إنفاذها .
وصفات اللّه سبحانه تصور وتوحي بالفاعلية الإيجابية . فلا سلبية في التصور الإسلامي للّه . وهو أكمل تصور وأصدقه لأنه وصف اللّه لنفسه سبحانه . وقيمة هذه الفاعلية الإيجابية أنها تعلق القلب باللّه وإرادته وفعله ، فتصبح العقيدة مؤثرا حيا دافعا لا مجرد تصور فكري بارد ! * * * 19 - ويرتب على هذه الحقيقة التي عاد لتوكيدها مرتين في الآية الواحدة ، نتيجتها الطبيعية . . ألوهية واحدة .
فلا عبودية إلا لهذه الألوهية الواحدة :
« إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ . وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ . بَغْياً بَيْنَهُمْ . وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ . فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ : أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ . وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ : أَ أَسْلَمْتُمْ ؟ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا . وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ ، وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ »
. .
ألوهية واحدة . . وإذن فدينونة واحدة . . واستسلام لهذه الألوهية لا يبقى معه شيء في نفوس العباد ولا في حياتهم خارجا عن سلطان اللّه .
ألوهية واحدة . . وإذن فجهة واحدة هي صاحبة الحق في تعبيد الناس لها ؛ وفي تطويعهم لأمرها ؛ وفي إنفاذ شريعتها فيهم وحكمها ؛ وفي وضع القيم والموازين لهم وأمرهم باتباعها ؛ وفي إقامة حياتهم كلها وفق التعليمات التي ترضاها . .
ألوهية واحدة . . وإذن فعقيدة واحدة هي التي يرضاها اللّه من عباده . عقيدة التوحيد الخالص الناصع . .
ومقتضيات التوحيد هذه التي أسلفنا :