تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 383

مساهمون:

ص٣٨٣
هذا في قولهم :
« لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ »
. . وإلا فلما ذا لا تمسهم النار إلا أياما معدودات ؟ لما ذا وهم ينحرفون أصلا عن حقيقة الدين وهي الاحتكام في كل شيء إلى كتاب اللّه ؟ لما ذا إذا كانوا يعتقدون حقا بعدل اللّه ؟ بل إذا كانوا يحسون أصلا بجدية لقاء اللّه ؟ إنهم لا يقولون إلا افتراء ، ثم يغرهم هذا الافتراء :
« وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ »
. . وحقا إنه لا يجتمع في قلب واحد جدية الاعتقاد بلقاء اللّه ، والشعور بحقيقة هذا اللقاء ، مع هذا التميع في تصور جزائه وعدله . . وحقا إنه لا يجتمع في قلب واحد الخوف من الآخرة والحياء من اللّه ، مع الإعراض عن الاحتكام إلى كتاب اللّه ، وتحكيمه في كل شأن من شؤون الحياة . . ومثل أهل الكتاب هؤلاء مثل من يزعمون اليوم أنهم مسلمون . ثم يدعون إلى كتاب اللّه ليحكم بينهم فيتولون ويعرضون . وفيهم من يتبجحون ويتوقحون ، ويزعمون أن حياة الناس دنيا لا دين ! وأن لا ضرورة لإقحام الدين في حياة الناس العملية وارتباطاتهم الاقتصادية والاجتماعية ، بل العائلية ، ثم يظلون بعد ذلك يزعمون أنهم مسلمون ! ثم يعتقد بعضهم في غرارة بلهاء أن اللّه لن يعذبهم إلا تطهيرا من المعاصي ، ثم يساقون إلى الجنة ! أليسوا مسلمين ؟ إنه نفس الظن الذي كان يظنه أهل الكتاب هؤلاء ، ونفس الغرور بما افتروه ولا أصل له في الدين . . وهؤلاء وأولئك سواء في تنصلهم من أصل الدين ، وتملصهم من حقيقته التي يرضاها اللّه : الإسلام . . الاستسلام والطاعة والاتباع . والتلقي من اللّه وحده في كل شأن من شؤون الحياة : 25 -
« فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ، وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ »
؟ كيف ؟ إنه التهديد الرعيب الذي يشفق القلب المؤمن أن يتعرض له وهو يستشعر جدية هذا اليوم وجدية لقاء اللّه ، وجدية عدل اللّه ؛ ولا يتميع تصوره وشعوره مع الأماني الباطلة والمفتريات الخادعة . . وهو بعد تهديد قائم للجميع . . مشركين وملحدين ، وأهل كتاب ومدعي إسلام ، فهم سواء في أنهم لا يحققون في حياتهم الإسلام !
« فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ »
. . وجرى العدل الإلهي مجراه ؟
« وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ »
. . بلا ظلم ولا محاباة ؟
« وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ »
. . كما أنهم لا يحابون في حساب اللّه ؟ سؤال يلقى ويترك بلا جواب . . وقد اهتز القلب وارتجف وهو يستحضر الجواب ! * * * 26 - بعدئذ يلقن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - وكل مؤمن ، أن يتجه إلى اللّه ، مقررا حقيقة الألوهية الواحدة ، وحقيقة القوامة الواحدة ، في حياة البشر ، وفي تدبير الكون . فهذه وتلك كلتاهما مظهر للألوهية وللحاكمية التي لا شريك للّه فيها ولا شبيه :
« قُلِ : اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ : تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ . وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ . بِيَدِكَ الْخَيْرُ . إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ . تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ . وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ . وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ »
. .