19 - وما دام اللّه متفردا بالألوهية وبالقوامة فإن أول مستلزمات الإقرار بهذه الحقيقة ، هو الإقرار بالعبودية للّه وحده وتحكيمه في شأن العبيد كله ؛ واستسلام العبيد لإلههم ، وطاعتهم للقيوم عليهم ، واتباعهم لكتابه ولرسوله - صلى اللّه عليه وسلم - .
ويضمن هذه الحقيقة قوله تعالى :
« إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ »
. . فهو لا يقبل دينا سواه من أحد . . الإسلام الذي هو الاستسلام والطاعة والاتباع . . وإذن فليس الدين الذي يقبله اللّه من الناس هو مجرد تصور في العقل ؛ ولا مجرد تصديق في القلب . إنما هو القيام بحق هذا التصديق وذلك التصور . . هو تحكيم منهج اللّه في أمر العباد كله ، وطاعتهم لما يحكم به ، واتباعهم لرسوله في منهجه .
وهكذا . . يعجب من أهل الكتاب ويشهر بأمرهم . . إذ يدّعون أنهم على دين اللّه . ثم
« يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ »
! ! ! مما ينقض دعوى التدين من الأساس . فلا دين يقبله اللّه إلا الإسلام . ولا إسلام بغير استسلام للّه وطاعة لرسوله ، واتباع لمنهجه ، وتحكيم لكتابه في أمور الحياة . .
ويكشف عن علة هذا الإعراض - الذي هو التعبير الواقعي عن عدم الإيمان بدين اللّه - فإذا هي عدم الاعتقاد بجدية « القسط » في الجزاء يوم الحساب :
« ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ »
. . معتمدين على أنهم أهل كتاب
« وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ »
. . وهو غرور خادع . فما هم بأهل كتاب ، وما هم بمؤمنين أصلا . وما هم على دين اللّه إطلاقا ؛ وهم يدعون إلى كتاب اللّه ليحكم بينهم ، ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون .
وبهذا الجزم القاطع يقرر اللّه سبحانه في القرآن الكريم معنى الدين وحقيقة التدين . . فلا يقبل من العباد إلا صورة واحدة ناصعة قاطعة . . الدين : الإسلام . والإسلام : التحاكم إلى كتاب اللّه وطاعته واتباعه . . فمن لم يفعل فليس له دين ، وليس مسلما ؛ وإن ادعى الإسلام وادعى أنه على دين اللّه . فدين اللّه يحدده ويقرره ويفسره اللّه ، وليس خاضعا في تعريفه وتحديده لأهواء البشر . . كل يحدده أو يعرّفه كما يشاء ! لا . بل إن الذي يتخذ الكفار أولياء - والكفار كما يقرر السياق هم الذين لا يقبلون التحاكم إلى كتاب اللّه -
« فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ »
. . ولا علاقة له باللّه في شيء ولا صلة بينه وبين اللّه في شيء . . مجرد من يتولى وينصر أو يستنصر أولئك الكفار الذين يرفضون أن يتحاكموا إلى كتاب اللّه . ولو ادعوا أنهم على دين اللّه ! ويشتد التحذير من هذه الولاية التي تذهب بالدين من أساسه . ويضيف السياق إلى التحذير التبصير . تبصير الجماعة المسلمة بحقيقة القوى التي تعمل في هذا الوجود . فاللّه وحده هو السيد المتصرف ، مالك الملك ، يؤتي الملك من يشاء ، وينزع الملك ممن يشاء ، ويعز من يشاء ويذل من يشاء . . وهذا التصريف لأمر الناس ليس إلا طرفا من التصريف لأمر الكون كله . فهو كذلك يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي . . وهذا هو القيام بالقسط في أمر الناس وفي أمر الكون ، فلا داعي إذن لولاية غيره من العباد ، مهما يكن لهم من قوة ومن مال وأولاد .
ويشي هذا التحذير المؤكد المكرر بما كان واقعا في الجماعة المسلمة يومذاك من عدم وضوح الأمر تماما ؛ ومن تشبث بعضهم بصلاته العائلية والقومية والاقتصادية مع المشركين في مكة ومع اليهود في المدينة ، مما اقتضى هذا التفسير والتحذير . كما أنه يشي بطبيعة ميل النفس البشرية إلى التأثر بالقوى البشرية الظاهرة ، وضرورة تذكيرها بحقيقة الأمر وحقيقة الأمر وحقيقة القوى ، إلى جانب إيضاح أصل العقيدة ومقتضياتها في واقع الحياة .