ويختم الدرس بكلمة حاسمة قاطعة : إن الإسلام هو طاعة اللّه والرسول . وإن الطريق إلى اللّه هو طريق الاتباع للرسول . وليس مجرد الاعتقاد بالقلب ، ولا الشهادة باللسان :
« قُلْ : إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ . . . »
« قُلْ : أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ . فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ »
. . فإما طاعة واتباع يحبه اللّه ، وإما كفر يكرهه اللّه . . وهذا هو مفرق الطريق الواضح المبين . .
فلنأخذ في التفصيل بعد هذا الإجمال . .
* * * 18 -
« شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ - وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ - قائِماً بِالْقِسْطِ . لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ »
. .
هذه هي الحقيقة الأولى التي يقوم عليها التصور الاعتقادي في الإسلام . حقيقة التوحيد : توحيد الألوهية ، وتوحيد القوامة . . القوامة بالقسط . . وهي الحقيقة التي بدأت بها السورة :
« اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ »
. .
وهي تستهدف إقرار حقيقة العقيدة الإسلامية من جهة ، وجلاء الشبهات التي يلقيها أهل الكتاب من جهة . جلاءها عن أهل الكتاب أنفسهم ، وجلاءها عن المسلمين الذين قد تؤثر هذه الشبهات في عقيدتهم .
وشهادة اللّه - سبحانه - أنه لا إله إلا هو . . هي حسب كل من يؤمن باللّه . . وقد يقال : إنه لا يكتفي بشهادة اللّه إلا من يؤمن باللّه . وأن من يؤمن باللّه ليس في حاجة إلى هذه الشهادة . . ولكن واقع الأمر أن أهل الكتاب كانوا يؤمنون باللّه ولكنهم في نفس الوقت يجعلون له ابنا وشريكا . بل إن المشركين أنفسهم كانوا يؤمنون باللّه ، ولكن الضلال كان يجيئهم من ناحية الشركاء والأنداد والأبناء والبنات ! فإذا قرر لهؤلاء وهؤلاء أن اللّه - سبحانه - شهد أنه لا إله إلا هو ، فهذا مؤثر قوي في تصحيح تصوراتهم .
على أن الأمر - كما يبدو من متابعة السياق كما تابعناه فيما تقدم - أعمق من هذا وأدق . فإن شهادة اللّه 19 - سبحانه - بأنه لا إله إلا هو ، مسوقة هنا ليساق بعدها ما هو من مستلزماتها ؛ وهو أنه لا يقبل إذن من العباد إلا العبودية الخالصة له . الممثلة في الإسلام بمعنى الاستسلام - لا اعتقادا وشعورا فحسب - ولكن كذلك عملا وطاعة واتباعا للمنهج العملي الواقعي المتمثل في أحكام الكتاب . . ومن هذه الناحية نجد كثيرين في كل زمان يقولون : إنهم يؤمنون باللّه ، ولكنهم يشركون معه غيره في الألوهية ، حين يتحاكمون إلى شريعة من صنع غيره ، وحين يطيعون من لا يتبع رسوله وكتابه ؛ وحين يتلقون التصورات والقيم والموازين والأخلاق والآداب من غيره . . فهذه كلها تناقض القول بأنهم يؤمنون باللّه . ولا تستقيم مع شهادة اللّه - سبحانه - بأنه لا إله إلا هو .
وأما شهادة الملائكة وشهادة أولي العلم ، فهي متمثلة في طاعتهم لأوامر اللّه وحدها . والتلقي عن اللّه وحده ، والتسليم بكل ما يجيئهم من عنده بدون تشكك ولا جدال ، متى ثبت لهم أنها من عنده . وقد سبق في السورة بيان حال أولي العلم هؤلاء في قوله :
« وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ : آمَنَّا بِهِ ، كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا »
. . فهذه شهادة أولي العلم وشهادة الملائكة : تصديق . وطاعة . واتباع . واستسلام .
وشهادة اللّه سبحانه وشهادة الملائكة وأولي العلم بوحدانية اللّه يصاحبها شهادتهم بأنه - تعالى - قائم بالقسط .
بوصفها حالة ملازمة للألوهية .
« شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ - وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ - قائِماً بِالْقِسْطِ »
. .
فهي حالة ملازمة للألوهية كما تفيد صياغة العبارة . وهذا إيضاح للقوامة التي وردت في مطلع السورة :