أصحاب المذاهب المخالفة الدولة الرومانية المسيحية - بما فيهم من جاهروا بتوحيد اللّه تعالى وبشرية المسيح عليه السلام - وهؤلاء ممن يأمرون بالقسط . . كما أنه تهديد دائم لكل من يقع منه مثل هذا الصنيع البشع . . وكثير ما هم في كل زمان . .
ويحسن أن نتذكر دائما ما ذا يعني القرآن بوصف
« الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ »
. . فليس المقصود فقط من يعلن كلمة الكفر . إنما يدخل في مدلول هذا الوصف من لا يقر بوحدة الألوهية ، وقصر العبودية عليها . وهذا يتضمن بصراحة وحدة الجهة التي تصرّف حياة العباد بالتشريع والتوجيه والقيم والموازين . . فمن جعل لغير اللّه شيئا من هذا ابتداء فهو مشرك به أو كافر بألوهيته . ولو قالها ألف مرة باللسان ! وسنرى في الآيات التالية في السياق مصداق هذا الكلام . .
* * * 23 -
« أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ؟ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ ، وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ . فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ ، وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ ؟ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ »
. .
إنه سؤال التعجيب والتشهير من هذا الموقف المتناقض الغريب . موقف الذين أوتوا نصيبا من الكتاب . وهو التوراة لليهود ومعها الإنجيل للنصارى . وكل منهما « نصيب » من الكتاب باعتبار أن كتاب اللّه هو كل ما أنزل على رسله ، وقرر فيه وحدة ألوهيته ووحدة قوامته . فهو كتاب واحد في حقيقته ، أوتي اليهود نصيبا منه ، وأوتي النصارى نصيبا منه ، وأوتي المسلمون الكتاب كله باعتبار القرآن جامعا لأصول الدين كله ، ومصدقا لما بين يديه من الكتاب . . سؤال التعجيب من هؤلاء
« الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ »
. . ثم هم يدعون إلى كتاب اللّه ليحكم بينهم في خلافاتهم ، وليحكم بينهم في شؤون حياتهم ومعاشهم ، فلا يستجيبون جميعا لهذه الدعوة ، إنما يتخلف فريق منهم ويعرض عن تحكيم كتاب اللّه وشريعته . الأمر الذي يتناقض مع الإيمان بأي نصيب من كتاب اللّه ؛ والذي لا يستقيم مع دعوى أنهم أهل كتاب :
« أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ ؟ »
. .
هكذا يعجب اللّه من أهل الكتاب حين يعرض بعضهم - لا كلهم - عن الاحتكام إلى كتاب اللّه في أمور الاعتقاد وأمور الحياة . فكيف بمن يقولون : إنهم مسلمون ، ثم يخرجون شريعة اللّه من حياتهم كلها . ثم يظلون يزعمون أنهم مسلمون ! إنه مثل يضربه اللّه للمسلمين أيضا كي يعلموا حقيقة الدين وطبيعة الإسلام ؛ ويحذروا أن يكونوا موضعا لتعجيب اللّه وتشهيره بهم . فإذا كان هذا هو استنكار موقف أهل الكتاب الذين لم يدّعوا الإسلام ، حين يعرض فريق منهم عن التحاكم إلى كتاب اللّه ، فكيف يكون الاستنكار إذا كان
« الْمُسْلِمُونَ »
هم الذين يعرضون هذا الإعراض . . إنه العجب الذي لا ينقضي ، والبلاء الذي لا يقدر ، والغضب الذي ينتهي إلى الشقوة والطرد من رحمة اللّه ! والعياذ باللّه ! ثم يكشف عن علة هذا الموقف المستنكر المتناقض :
« ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا : لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ ، وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ »
. .
هذا هو السبب في الإعراض عن الاحتكام إلى كتاب اللّه ؛ والتناقض مع دعوى الإيمان ودعوى أنهم أهل كتاب . . إنه عدم الاعتقاد بجدية الحساب يوم القيامة ، وجدية القسط الإلهي الذي لا يحابي ولا يميل . يتجلى