تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 376

مساهمون:

ص٣٧٦
« وَالْمُنْفِقِينَ . وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ »
. . وفي دعائهم ما ينم عن تقواهم . فهو إعلان للإيمان ، وشفاعة به عند اللّه ، وطلب للغفران ، وتوق من النيران . 17 - وفي كل صفة من صفاتهم تتحقق سمة ذات قيمة في حياة الإنسانية وفي حياة الجماعة المسلمة : في الصبر ترفع على الألم واستعلاء على الشكوى ، وثبات على تكاليف الدعوة ، وأداء لتكاليف الحق ، وتسليم للّه واستسلام لما يريد بهم من الأمر ، وقبول لحكمه ورضاء . . وفي الصدق اعتزاز بالحق الذي هو قوام الوجود ، وترفع عن الضعف ؛ فما الكذب إلا ضعف عن كلمة الحق ، اتقاء لضرر أو اجتلابا لمنفعة . وفي القنوت للّه أداء لحق الألوهية وواجب العبودية ؛ وتحقيق لكرامة النفس بالقنوت للّه الواحد الذي لا قنوت لسواه . وفي الإنفاق تحرر من استذلال المال ؛ وانفلات من ربقة الشح ؛ وإعلاء لحقيقة الأخوة الإنسانية على شهوة اللذة الشخصية ؛ وتكافل بين الناس يليق بعالم يسكنه الناس ! والاستغفار بالأسحار بعد هذا كله يلقي ظلالا رفافة ندية عميقة . . ولفظة
« بِالْأَسْحارِ »
بذاتها ترسم ظلال هذه الفترة من الليل قبيل الفجر . الفترة التي يصفو فيها الجو ويرق ويسكن ؛ وتترقرق فيها خواطر النفس وخوالجها الحبيسة ! فإذا انضمت إليها صورة الاستغفار ألقت تلك الظلال المنسابة في عالم النفس وفي ضمير الوجود سواء . وتلاقت روح الإنسان وروح الكون في الاتجاه لبارئ الكون وبارئ الإنسان . هؤلاء الصابرون ، الصادقون ، القانتون ، المنفقون ، المستغفرون بالأسحار . . لهم
« رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ »
. . وهم أهل لهذا الرضوان : ظله الندي ومعناه الحاني . وهو خير من كل شهوة وخير من كل متاع . . وهكذا يبدأ القرآن بالنفس البشرية من موضعها على الأرض . . وشيئا فشيئا يرف بها في آفاق وأضواء ، حتى ينتهي بها إلى الملإ الأعلى في يسر وهينة ، وفي رفق ورحمة . وفي اعتبار لكامل فطرتها وكامل نوازعها . وفي مراعاة لضعفها وعجزها ، وفي استجاشة لطاقاتها وأشواقها ، ودون ما كبت ولا إكراه . ودون ما وقف لجريان الحياة . . فطرة اللّه . ومنهج اللّه لهذه الفطرة . .
« وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ »
. . * * * وإلى هنا كان سياق السورة يستهدف تقرير حقيقة التوحيد : توحيد الألوهية والقوامة ، وتوحيد الكتاب والرسالة . . ويصور موقف المؤمنين حقا والمنحرفين الذين في قلوبهم زيغ ، من آيات اللّه وكتابه . . ويهدد المنحرفين بمصير كمصير الذين كفروا في الماضي وفي الحاضر . . ثم يكشف عن الدوافع الفطرية التي تلهي عن الاعتبار ؛ ويصور حال المتقين مع ربهم والتجاءهم إلى اللّه . . فالآن - وإلى نهاية هذا الدرس - نجدنا أمام حقيقة أخرى . . هي مقتضى الحقيقة الأولى . . فحقيقة التوحيد تستلزم مصداقا لها في واقع الحياة البشرية ، هو الذي يقرره الشطر الثاني من هذا الدرس . ومن ثم يبدأ بإعادة تقرير الحقيقة الأولى ليرتب عليها آثارها الملازمة لها . . يبدأ بشهادة اللّه - سبحانه - « وأنه لا إله إلا هو » وشهادة الملائكة وأولي العلم بهذه الحقيقة . ويقرر معها صفة اللّه المتعلقة بالقوامة ، وهي قيامه بالقسط في أمر الناس وفي أمر الكون .
في ظلال القرآن — صفحة 376 | سيد قطب