تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
بائسة لهذا النظام ذاته ! ضحايا شأنهم شأن الاقتصاد العالمي نفسه . الذي تضطره عصابات المرابين العالمية لأن يجري جريانا غير طبيعي ولا سوي . ويتعرض للهزات الدورية المنظمة ! وينحرف عن أن يكون نافعا للبشرية كلها ، إلى أن يكون وقفا على حفنة من الذئاب قليلة ! إن النظام الربوي نظام معيب من الوجهة الاقتصادية البحتة - وقد بلغ من سوئه أن تنبه لعيوبه بعض أساتذة الاقتصاد الغربيين أنفسهم ؛ وهم قد نشئوا في ظله ، وأشربت عقولهم وثقافتهم تلك السموم التي تبثها عصابات المال في كل فروع الثقافة والتصور والأخلاق . وفي مقدمة هؤلاء الأساتذة الذين يعيبون هذا النظام من الناحية الاقتصادية البحتة « دكتور شاخت » الألماني ومدير بنك الرايخ الألماني سابقا . وقد كان مما قاله في محاضرة له بدمشق عام 1953 أنه بعملية رياضية ( غير متناهية ) يتضح أن جميع المال في الأرض صائر إلى عدد قليل جدا من المرابين . ذلك أن الدائن المرابي يربح دائما في كل عملية ؛ بينما المدين معرض للربح والخسارة . ومن ثم فإن المال كله في النهاية لا بد - بالحساب الرياضي - أن يصير إلى الذي يربح دائما ! وأن هذه النظرية في طريقها للتحقق الكامل . فإن معظم مال الأرض الآن يملكه - ملكا حقيقا - بضعة ألوف ! أما جميع الملاك وأصحاب المصانع الذين يستدينون من البنوك ، والعمال ، وغيرهم ، فهم ليسوا سوى أجراء يعملون لحساب أصحاب المال ، ويجني ثمرة كدهم أولئك الألوف ! . وليس هذا وحده هو كل ما للربا من جريرة . فإن قيام النظام الاقتصادي على الأساس الربوي يجعل العلاقة بين أصحاب الأموال وبين العاملين في التجارة والصناعة علاقة مقامرة ومشاكسة مستمرة . فإن المرابي يجتهد في الحصول على أكبر فائدة . ومن ثم يمسك المال حتى يزيد اضطرار التجارة والصناعة إليه فيرتفع سعر الفائدة ؛ ويظل يرفع السعر حتى يجد العاملون في التجارة والصناعة أنه لا فائدة لهم من استخدام هذا المال ، لأنه لا يدر عليهم ما يوفون به الفائدة ويفضل لهم منه شيء . . عندئذ ينكمش حجم المال المستخدم في هذه المجالات التي تشتغل فيها الملايين ؛ وتضيق المصانع دائرة إنتاجها ، ويتعطل العمال ، فتقل القدرة على الشراء . وعندما يصل الأمر إلى هذا الحد ، ويجد المرابون أن الطلب على المال قد نقص أو توقف ، يعودون إلى خفض سعر الفائدة اضطرارا . فيقبل عليه العاملون في الصناعة والتجارة من جديد ، وتعود دورة الحياة إلى الرخاء . . وهكذا دو إليك تقع الأزمات الاقتصادية الدورية العالمية . ويظل البشر هكذا يدورون فيها كالسائمة ! ثم إن جميع المستهلكين يؤدون ضريبة غير مباشرة للمرابين . فإن أصحاب الصناعات والتجار لا يدفعون فائدة الأموال التي يقترضونها بالربا إلا من جيوب المستهلكين ، فهم يزيدونها في أثمان السلع الاستهلاكية فيتوزع عبؤها على أهل الأرض لتدخل في جيوب المرابين في النهاية . أما الديون التي تقترضها الحكومات من بيوت المال لتقوم بالإصلاحات والمشروعات العمرانية فإن رعاياها هم الذين يؤدون فائدتها للبيوت الربوية كذلك . إذ أن هذه الحكومات تضطر إلى زيادة الضرائب المختلفة لتسدد منها هذه الديون وفوائدها . وبذلك يشترك كل فرد في دفع هذه الجزية للمرابين في نهاية المطاف . . وقلما ينتهي الأمر عند هذا الحد ، ولا يكون الاستعمار هو نهاية الديون . . ثم تكون الحروب بسبب الاستعمار ! ونحن هنا - في ظلال القرآن - لا نستقصي كل عيوب النظام الربوي فهذا مجاله بحث مستقل « 1 » - فنكتفي
هامش
( 1 ) تراجع البحوث القيمة الدقيقة التي كتبها المسلم العظيم السيد أبو الأعلى المودودي عن الربا وعن أسس الاقتصاد بين الإسلام والنظم المعاصرة . .
في ظلال القرآن — صفحة 321 | سيد قطب