الوجه الآخر المقابل للصدقة التي عرض دستورها في الدرس الماضي . . الوجه الكالح الطالح هو الربا ! الصدقة عطاء وسماحة ، وطهارة وزكاة ، وتعاون وتكافل . . والربا شح ، وقذارة ودنس ، وأثرة وفردية . .
والصدقة نزول عن المال بلا عوض ولا رد . والربا استرداد للدين ومعه زيادة حرام مقتطعة من جهد المدين أو من لحمه . من جهده إن كان قد عمل بالمال الذي استدانه فربح نتيجة لعمله هو وكده . ومن لحمه إن كان لم يربح أو خسر ، أو كان قد أخذ المال للنفقة منه على نفسه وأهله ولم يستربحه شيئا . .
ومن ثم فهو - الربا - الوجه الآخر المقابل للصدقة . . الوجه الكالح الطالح ! لهذا عرضه السياق مباشرة بعد عرض الوجه الطيب السمح الطاهر الجميل الودود ! عرضه عرضا منفرا ، يكشف عما في عملية الربا من قبح وشناعة . ومن جفاف في القلب وشر في المجتمع ، وفساد في الأرض وهلاك للعباد .
ولم يبلغ من تفظيع أمر أراد الإسلام إبطاله من أمور الجاهلية ما بلغ من تفظيع الربا . ولا بلغ من التهديد في اللفظ والمعنى ما بلغ التهديد في أمر الربا - في هذه الآيات وفي غيرها في مواضع أخرى - وللّه الحكمة البالغة . فلقد كانت للربا في الجاهلية مفاسده وشروره . ولكن الجوانب الشائهة القبيحة من وجهه الكالح ما كانت كلها بادية في مجتمع الجاهلية كما بدت اليوم وتكشفت في عالمنا الحاضر ، ولا كانت البثور والدمامل في ذلك الوجه الدميم مكشوفة كلها كما كشفت اليوم في مجتمعنا الحديث . فهذه الحملة المفزعة البادية في هذه الآيات على ذلك النظام المقيت ، تتكشف اليوم حكمتها على ضوء الواقع الفاجع في حياة البشرية . أشد مما كانت متكشفة في الجاهلية الأولى . ويدرك - من يريد أن يتدبر حكمة اللّه وعظمة هذا الدين وكمال هذا المنهج ودقة هذا النظام - يدرك اليوم من هذا كله ما لم يكن يدركه الذين واجهوا هذه النصوص أول مرة .
وأمامه اليوم من واقع العالم ما يصدّق كل كلمة تصديقا حيا مباشرا واقعا . والبشرية الضالة التي تأكل الربا وتوكله تنصب عليها البلايا الماحقة الساحقة من جراء هذا النظام الربوي ، في أخلاقها ودينها وصحتها واقتصادها .
وتتلقى - حقا - حربا من اللّه تصب عليها النقمة والعذاب . . أفرادا وجماعات ، وأمما وشعوبا ، وهي لا تعتبر ولا تفيق ! وحينما كان السياق يعرض في الدرس السابق دستور الصدقة كان يعرض قاعدة من قواعد النظام الاجتماعي والاقتصادي الذي يريد اللّه للمجتمع المسلم أن يقوم عليه ، ويحب للبشرية أن تستمتع بما فيه من رحمة . .
في مقابل ذلك النظام الآخر الذي يقوم على الأساس الربوي الشرير القاسي اللئيم .
إنهما نظامان متقابلان : النظام الإسلامي . والنظام الربوي ! وهما لا يلتقيان في تصور ، ولا يتفقان في أساس ؛ ولا يتوافقان في نتيجة . . إن كلا منهما يقوم على تصور للحياة والأهداف والغايات يناقض الآخر تمام المناقضة . وينتهي إلى ثمرة في حياة الناس تختلف عن الأخرى كل الاختلاف . . ومن ثم كانت هذه الحملة المفزعة ، وكان هذا التهديد الرعيب ! إن الإسلام يقيم نظامه الاقتصادي - ونظام الحياة كلها - على تصور معين يمثل الحق الواقع في هذا الوجود .
يقيمه على أساس أن اللّه - سبحانه - هو خالق هذا الكون . فهو خالق هذه الأرض ، وهو خالق هذا الإنسان . . هو الذي وهب كل موجود وجوده . .
وأن اللّه - سبحانه - وهو مالك كل موجود بما أنه هو موجده قد استخلف الجنس الإنساني في هذه الأرض ؛ ومكنه مما ادخر له فيها من أرزاق وأقوات ومن قوى وطاقات ، على عهد منه وشرط . ولم يترك له هذا الملك
في ظلال القرآن — صفحة 318
مساهمون: سيد قطب
ص٣١٨