بهذا القدر لنخلص منه إلى تنبيه من يريدون أن يكونوا مسلمين إلى جملة حقائق أساسية بصدد كراهية الإسلام للنظام الربوي المقيت :
الحقيقة الأولى : - التي يجب أن تكون مستيقنة في نفوسهم - أنه لا إسلام مع قيام نظام ربوي في مكان .
وكل ما يمكن أن يقوله أصحاب الفتاوى من رجال الدين أو غيرهم سوى هذا دجل وخداع . فأساس التصور الإسلامي - كما بينا - يصطدم اصطداما مباشرا بالنظام الربوي ، ونتائجه العملية في حياة الناس وتصوراتهم وأخلاقهم .
والحقيقة الثانية : أن النظام الربوي بلاء على الإنسانية - لا في إيمانها وأخلاقها وتصورها للحياة فحسب - بل كذلك في صميم حياتها الاقتصادية والعملية ، وأنه أبشع نظام يمحق سعادة البشرية محقا ، ويعطل نموها الإنساني المتوازن ، على الرغم من الطلاء الظاهري الخدّاع ، الذي يبدو كأنه مساعدة من هذا النظام للنمو الاقتصادي العام ! والحقيقة الثالثة : أن النظام الأخلاقي والنظام العملي في الإسلام مترابطان تماما ، وأن الإنسان في كل تصرفاته مرتبط بعهد الاستخلاف وشرطه ، وأنه مختبر ومبتلى وممتحن في كل نشاط يقوم به في حياته ، ومحاسب عليه في آخرته . فليس هناك نظام أخلاقي وحده ونظام عملي وحده ، وإنما هما معا يؤلفان نشاط الإنسان ، وكلاهما عبادة يؤجر عليها إن أحسن ، وإثم يؤاخذ عليه إن أساء . وأن الاقتصاد الإسلامي الناجح لا يقوم بغير أخلاق ، وأن الأخلاق ليست نافلة يمكن الاستغناء عنها ثم تنجح حياة الناس العملية .
والحقيقة الرابعة : أن التعامل الربوي لا يمكن إلا أن يفسد ضمير الفرد وخلقه ، وشعوره تجاه أخيه في الجماعة ؛ وإلا أن يفسد حياة الجماعة البشرية وتضامنها بما يبثه من روح الشره والطمع والأثرة والمخاتلة والمقامرة بصفة عامة . أما في العصر الحديث فإنه يعد الدافع الأول لتوجيه رأس المال إلى أحط وجوه الاستثمار . كي يستطيع رأس المال المستدان بالربا أن يربح ربحا مضمونا ، فيؤدي الفائدة الربوية ويفضل منه شيء للمستدين . ومن ثم فهو الدافع المباشر لاستثمار المال في الأفلام القذرة والصحافة القذرة والمراقص والملاهي والرقيق الأبيض وسائر الحرف والاتجاهات التي تحطم أخلاق البشرية تحطيما . . والمال المستدان بالربا ليس همه أن ينشئ أنفع المشروعات للبشرية ؛ بل همه أن ينشئ أكثرها ربحا . ولو كان الربح إنما يجيء من استثارة أحط الغرائز وأقذر الميول . . وهذا هو المشاهد اليوم في أنحاء الأرض . وسببه الأول هو التعامل الربوي ! والحقيقة الخامسة : أن الإسلام نظام متكامل . فهو حين يحرم التعامل الربوي يقيم نظمه كلها على أساس الاستغناء عن الحاجة إليه ؛ وينظم جوانب الحياة الاجتماعية بحيث تنتفي منها الحاجة إلى هذا النوع من التعامل ، بدون مساس بالنمو الاقتصادي والاجتماعي والإنساني المطرد .
والحقيقة السادسة : أن الإسلام - حين يتاح له أن ينظم الحياة وفق تصوره ومنهجه الخاص - لن يحتاج عند إلغاء التعامل الربوي ، إلى إلغاء المؤسسات والأجهزة اللازمة لنمو الحياة الاقتصادية العصرية نموها الطبيعي السليم . ولكنه فقط سيطهرها من لوثة الربا ودنسه . ثم يتركها تعمل وفق قواعد أخرى سليمة . وفي أول هذه المؤسسات والأجهزة : المصارف والشركات وما إليها من مؤسسات الاقتصاد الحديث .
والحقيقة السابعة : - وهي الأهم - ضرورة اعتقاد من يريد أن يكون مسلما ، بأن هناك استحالة اعتقادية
في ظلال القرآن — صفحة 322
مساهمون: سيد قطب
ص٣٢٢