تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 320

مساهمون:

ص٣٢٠
من حريته هذه - جزئيا - في تحديد سعر الفائدة مثلا ؛ وفي منع أنواع من الاحتيال والنصب والغصب والنهب ، والغش والضرر . ولكن هذا التدخل يعود إلى ما يتواضع عليه الناس أنفسهم ، وما تقودهم إليه أهواؤهم ؛ لا إلى مبدأ ثابت مفروض من سلطة إلهية ! كذلك يقوم على أساس تصور خاطئ فاسد . هو أن غاية الغايات للوجود الإنساني هي تحصيله للمال - بأية وسيلة - واستمتاعه به على النحو الذي يهوى ! ومن ثم يتكالب على جمع المال وعلى المتاع به ؛ ويدوس في الطريق كل مبدأ وكل صالح للآخرين ! ثم ينشئ في النهاية نظاما يسحق البشرية سحقا ، ويشقيها في حياتها أفرادا وجماعات ودولا وشعوبا ، لمصلحة حفنة من المرابين ؛ ويحطها أخلاقيا ونفسيا وعصبيا ؛ ويحدث الخلل في دورة المال ونمو الاقتصاد البشري نموا سويا . . وينتهي - كما انتهى في العصر الحديث - إلى تركيز السلطة الحقيقة والنفوذ العملي على البشرية كلها في أيدي زمرة من أحط خلق اللّه وأشدهم شرا ؛ وشرذمة ممن لا يرعون في البشرية إلّا ولا ذمة ، ولا يراقبون فيها عهدا ولا حرمة . . وهؤلاء هم الذين يداينون الناس أفرادا ، كما يداينون الحكومات والشعوب - في داخل بلادهم وفي خارجها - وترجع إليهم الحصيلة الحقيقية لجهد البشرية كلها ، وكد الآدميين وعرقهم ودمائهم ، في صورة فوائد ربوية لم يبذلوا هم فيها جهدا ! وهم لا يملكون المال وحده . . إنما يملكون النفوذ . . ولما لم تكن لهم مبادئ ولا أخلاق ولا تصور ديني أو أخلاقي على الإطلاق ؛ بل لما كانوا يسخرون من حكاية الأديان والأخلاق والمثل والمبادئ ؛ فإنهم بطبيعة الحال يستخدمون هذا النفوذ الهائل الذي يملكونه في إنشاء الأوضاع والأفكار والمشروعات التي تمكنهم من زيادة الاستغلال ، ولا تقف في طريق جشعهم وخسة أهدافهم . . وأقرب الوسائل هي تحطيم أخلاق البشرية وإسقاطها في مستنقع آسن من اللذائذ والشهوات ، التي يدفع فيها الكثيرون آخر فلس يملكونه ، حيث تسقط الفلوس في المصائد والشباك المنصوبة ! وذلك مع التحكم في جريان الاقتصاد العالمي وفق مصالحهم المحدودة ، مهما أدى هذا إلى الأزمات الدورية المعروفة في عالم الاقتصاد ؛ وإلى انحراف الإنتاج الصناعي والاقتصادي كله عما فيه مصلحة المجموعة البشرية إلى مصلحة الممولين المرابين ، الذين تتجمع في أيديهم خيوط الثروة العالمية ! والكارثة التي تمت في العصر الحديث - ولم تكن بهذه الصورة البشعة في الجاهلية - هي أن هؤلاء المرابين - الذين كانوا يتمثلون في الزمن الماضي في صورة أفراد أو بيوت مالية كما يتمثلون الآن في صورة مؤسسي المصارف العصرية - قد استطاعوا بما لديهم من سلطة هائلة مخيفة داخل أجهزة الحكم العالمية وخارجها ، وبما يملكون من وسائل التوجيه والإعلام في الأرض كلها . . سواء في ذلك الصحف والكتب والجامعات والأساتذة ومحطات الإرسال ودور السينما وغيرها . . أن ينشئوا عقلية عامة بين جماهير البشر المساكين الذين يأكل أولئك المرابون عظامهم ولحومهم ، ويشربون عرقهم ودماءهم في ظل النظام الربوي . . هذه العقلية العامة خاضعة للإيحاء الخبيث المسموم بأن الربا هو النظام الطبيعي المعقول ، والأساس الصحيح الذي لا أساس غيره للنمو الاقتصادي ؛ وأنه من بركات هذا النظام وحسناته كان هذا التقدم الحضاري في الغرب . وأن الذين يريدون إبطاله جماعة من الخياليين - غير العمليين - وأنهم إنما يعتمدون في نظرتهم هذه على مجرد نظريات أخلاقية ومثل خيالية لا رصيد لها من الواقع ؛ وهي كفيلة بإفساد النظام الاقتصادي كله لو سمح لها أن تتدخل فيه ! حتى ليتعرض الذين ينتقدون النظام الربوي من هذا الجانب للسخرية من البشر الذين هم في حقيقة الأمر ضحايا