تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
العريض فوضى ، يصنع فيه ما يشاء كيف شاء . وإنما استخلفه فيه في اطار من الحدود الواضحة . استخلفه فيه على شرط أن يقوم في الخلافة وفق منهج اللّه ، وحسب شريعته . فما وقع منه من عقود وأعمال ومعاملات وأخلاق وعبادات وفق التعاقد فهو صحيح نافذ . وما وقع منه مخالفا لشروط التعاقد فهو باطل موقوف . فإذا أنفذه قوة وقسرا فهو إذن ظلم واعتداء لا يقره اللّه ولا يقره المؤمنون باللّه . فالحاكمية في الأرض - كما هي في الكون كله - للّه وحده . والناس - حاكمهم ومحكمهم - إنما يستمدون سلطاتهم من تنفيذهم لشريعة اللّه ومنهجه ، وليس لهم - في جملتهم - أن يخرجوا عنها ، لأنهم إنما هم وكلاء مستخلفون في الأرض بشرط وعهد وليسوا ملاكا خالقين لما في أيديهم من أرزاق . من بين بنود هذا العهد أن يقوم التكافل بين المؤمنين باللّه ، فيكون بعضهم أولياء بعض ، وأن ينتفعوا برزق اللّه الذي أعطاهم على أساس هذا التكافل - لا على قاعدة الشيوع المطلق كما تقول الماركسية . ولكن على أساس الملكية الفردية المقيدة - فمن وهبه اللّه منهم سعة أفاض من سعته على من قدر عليه رزقه . مع تكليف الجميع بالعمل كل حسب طاقته واستعداده وفيما يسره اللّه له - فلا يكون أحدهم كلّا على أخيه أو على الجماعة وهو قادر كما بينا ذلك من قبل . وجعل الزكاة فريضة في المال محددة . والصدقة تطوعا غير محدد . وقد شرط عليهم كذلك أن يلتزموا جانب القصد والاعتدال ، ويتجنبوا السرف والشطط فيما ينفقون من رزق اللّه الذي أعطاهم ؛ وفيما يستمتعون به من الطيبات التي أحلها لهم . ومن ثم تظل حاجتهم الاستهلاكية للمال والطيبات محدودة بحدود الاعتدال . وتظل فضلة من الرزق معرضة لفريضة الزكاة وتطوع الصدقة . وبخاصة أن المؤمن مطالب بتثمير ماله وتكثيره . وشرط عليهم أن يلتزموا في تنمية أموالهم وسائل لا ينشأ عنها الأذى للآخرين ، ولا يكون من جرائها تعويق أو تعطيل لجريان الأرزاق بين العباد ، ودوران المال في الأيدي على أوسع نطاق :
« كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ »
. . وكتب عليهم الطهارة في النبية والعمل ، والنظافة في الوسيلة والغاية ، وفرض عليهم قيودا في تنمية المال لا تجعلهم يسلكون إليها سبلا تؤذي ضمير الفرد وخلقه ، أو تؤذي حياة الجماعة وكيانها « 1 » . وأقام هذا كله على أساس التصور الممثل لحقيقة الواقع في هذا الوجود ؛ وعلى أساس عهد الاستخلاف الذي يحكم كل تصرفات الإنسان المستخلف في هذا الملك العريض . . ومن ثم فالربا عملية تصطدم ابتداء مع قواعد التصور الإيماني إطلاقا ؛ ونظام يقوم على تصور آخر . تصور لا نظر فيه للّه سبحانه وتعالى . ومن ثم لا رعاية فيه للمبادئ والغايات والأخلاق التي يريد اللّه للبشر أن تقوم حياتهم عليها . إنه يقوم ابتداء على أساس أن لا علاقة بين إرادة اللّه وحياة البشر . فالإنسان هو سيد هذه الأرض ابتداء ؛ وهو غير مقيد بعهد من اللّه ؛ وغير ملزم باتباع أوامر اللّه ! ثم إن الفرد حر في وسائل حصوله على المال ، وفي طرق تنميته ، كما هو حر في التمتع به . غير ملتزم في شيء من هذا بعهد من اللّه أو شرط ؛ وغير مقيد كذلك بمصلحة الآخرين . ومن ثم فلا اعتبار لأن يتأذى الملايين إذا هو أضاف إلى خزانته ورصيده ما يستطيع إضافته . وقد تتدخل القوانين الوضعية أحيانا في الحد
هامش
( 1 ) يراجع فصل « سياسة المال » في كتاب : « العدالة الاجتماعية في الإسلام » . « دار الشروق » .