تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 323

مساهمون:

ص٣٢٣
في أن يحرم اللّه أمرا لا تقوم الحياة البشرية ولا تتقدم بدونه ! كما أن هناك استحالة اعتقادية كذلك في أن يكون هناك أمر خبيث ويكون في الوقت ذاته حتميا لقيام الحياة وتقدمها . . فاللّه سبحانه هو خالق هذه الحياة ، وهو مستخلف الإنسان فيها ؛ وهو الآمر بتنميتها وترقيتها ؛ وهو المريد لهذا كله الموفق إليه . فهناك استحالة إذن في تصور المسلم أن يكون فيما حرمه اللّه شيء لا تقوم الحياة البشرية ولا تتقدم بدونه . وأن يكون هناك شيء خبيث هو حتمي لقيام الحياة ورقيها . وإنما هو سوء التصور . وسوء الفهم والدعاية المسمومة الخبيثة الطاغية التي دأبت أجيالا على بث فكرة : أن الربا ضرورة للنمو الاقتصادي والعمراني ، وأن النظام الربوي هو النظام الطبيعي . وبث هذا التصور الخادع في مناهل الثقافة العامة ، ومنابع المعرفة الإنسانية في مشارق الأرض ومغاربها . ثم قيام الحياة الحديثة على هذا الأساس فعلا بسعي بيوت المال والمرابين . وصعوبة تصور قيامها على أساس آخر . وهي صعوبة تنشأ أولا من عدم الإيمان . كما تنشأ ثانيا من ضعف التفكير وعجزه عن التحرر من ذلك الوهم الذي اجتهد المرابون في بثه وتمكينه بما لهم من قدرة على التوجيه ، وملكية للنفوذ داخل الحكومات العالمية ، وملكية لأدوات الإعلام العامة والخاصة . والحقيقة الثامنة : أن استحالة قيام الاقتصاد العالمي اليوم وغدا على أساس غير الأساس الربوي . . ليست سوى خرافة . أو هي أكذوبة ضخمة تعيش لأن الأجهزة التي يستخدمها أصحاب المصلحة في بقائها أجهزة ضخمة فعلا ! وأنه حين تصح النية ، وتعزم البشرية - أو تعزم الأمة المسلمة - أن تسترد حريتها من قبضة العصابات الربوية العالمية ، وتريد لنفسها الخير والسعادة والبركة مع نظافة الخلق وطهارة المجتمع ، فإن المجال مفتوح لإقامة النظام الآخر الرشيد ، الذي أراده اللّه للبشرية ، والذي طبق فعلا ، ونمت الحياة في ظله فعلا ؛ وما تزال قابلة للنمو تحت إشرافه وفي ظلاله ، لو عقل الناس ورشدوا ! وليس هناك مجال تفصيل القول في كيفيات التطبيق ووسائله . . فحسبنا هذه الإشارات المجملة « 1 » . وقد تبين أن شناعة العملية الربوية ليست ضرورة من ضرورات الحياة الاقتصادية ؛ وأن الإنسانية التي انحرفت عن النهج قديما حتى ردها الإسلام إليه ؛ هي الإنسانية التي تنحرف اليوم الانحراف ذاته ، ولا تفيء إلى النهج القويم الرحيم السليم . فلننظر كيف كانت ثورة الإسلام على تلك الشناعة التي ذاقت منها البشرية ما لم تذق قط من بلاء :
« الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ . ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا : إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا . وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا . فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ . وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ . يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ . وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ »
. . إنها الحملة المفزعة ، والتصوير المرعب :
« لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ »
. . وما كان أي تهديد معنوي ليبلغ إلى الحس ما تبلغه هذه الصورة المجسمة الحية المتحركة . . صورة الممسوس
هامش
( 1 ) يمكن الرجوع لبعض الاقتراحات العملية في بحوث الأستاذ المودودي التي سبقت الإشارة إليها .