تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
إنها صورة عميقة الإيحاء تلك التي يرسمها النص القصير لذلك النموذج الكريم . وهي صورة كاملة ترتسم على استحياء ! وكل جملة تكاد تكون لمسة ريشة ، ترسم الملامح والسمات ، وتشخص المشاعر والانفعالات . وما يكاد الإنسان يتم قراءتها حتى تبدو له تلك الوجوه وتلك الشخصيات كأنما يراها . وتلك طريقة القرآن في رسم النماذج الإنسانية ، حتى لتكاد تخطر نابضة حية ! هؤلاء الفقراء الكرام الذين يكتمون الحاجة كأنما يغطون العورة . . لن يكون إعطاؤهم إلا سرا وفي تلطف لا يخدش إباءهم ولا يجرح كرامتهم . . ومن ثم كان التعقيب موحيا بإخفاء الصدقة وإسرارها ، مطمئنا لأصحابها على علم اللّه بها وجزائه عليها :
« وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ »
. . اللّه وحده الذي يعلم السر ، ولا يضيع عنده الخير . . وأخيرا يختم دستور الصدقة في هذا الدرس بنص عام يشمل كل طرائق الإنفاق ، وكل أوقات الإنفاق ؛ وبحكم عام يشمل كل منفق لوجه اللّه :
« الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ ، سِرًّا وَعَلانِيَةً . فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ »
. . ويبدو التناسق في هذا الختام في عموم النصوص وشمولها ، سواء في صدر الآية أم في ختامها . وكأنما هي الإيقاع الأخير الشامل القصير . .
« الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ »
. . هكذا بوجه عام يشمل جميع أنواع الأموال . .
« بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ . سِرًّا وَعَلانِيَةً »
. . لتشمل جميع الأوقات وجميع الحالات . .
« فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ »
. . هكذا إطلاقا . من مضاعفة المال . وبركة العمر . وجزاء الآخرة . ورضوان اللّه .
« وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ »
. . لا خوف من أي مخوف ، ولا حزن من أي محزن . . في الدنيا وفي الآخرة سواء . . إنه التناسق في ختام الدستور القويم يوحي بذلك الشمول والتعميم . . * * * وبعد فإن الإسلام لا يقيم حياة أهله على العطاء . فإن نظامه كله يقوم أولا على تيسير العمل والرزق لكل قادر ؛ وعلى حسن توزيع الثروة بين أهله بإقامة هذا التوزيع على الحق والعدل بين الجهد والجزاء . . ولكن هنالك حالات تتخلف لأسباب استثنائية وهذه هي التي يعالجها بالصدقة . . مرة في صورة فريضة تجبيها الدولة المسلمة المنفذة لشريعة اللّه كلها وهي وحدها صاحبة الحق في جبايتها : وهي مورد هام من موارد المالية العامة للدولة المسلمة . ومرة في صورة تطوع غير محدود يؤديه القادرون للمحتاجين رأسا . مع مراعاة الآداب التي سبق بيانها . وبضمانة تعفف الآخذين . . هذا التعفف الذي تصف هذه الآية صورة منه واضحة . وقد رباه