تخطي إلى المحتوى الرئيسي

في ظلال القرآن — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
المحدد في القرآن . إنما هذه عبرة وعظة يراد مغزاها ، ولا تراد أحداثها وأماكنها وأزمانها . وتحديد الأماكن والأزمان لا يزيد هنا شيئا على عبرة القصة ومغزاها . . إنما يراد هنا تصحيح التصور عن الموت والحياة ، وأسبابهما الظاهرة ، وحقيقتهما المضمرة ؛ ورد الأمر فيهما إلى القدرة المدبرة . والاطمئنان إلى قدر اللّه فيهما . والمضي في حمل التكاليف والواجبات دون هلع ولا جزع ، فالمقدر كائن ، والموت والحياة بيد اللّه في نهاية المطاف . . يراد أن يقال : إن الحذر من الموت لا يجدي ؛ وإن الفزع والهلع لا يزيدان حياة ، ولا يمدان أجلا ، ولا يردان قضاء ؛ وإن اللّه هو واهب الحياة ، وهو آخذ الحياة ؛ وإنه متفضل في الحالتين : حين يهب ، وحين يسترد ؛ والحكمة الإلهية الكبرى كامنة خلف الهبة وخلف الاسترداد . وإن مصلحة الناس متحققة في هذا وذاك ؛ وإن فضل اللّه عليهم متحقق في الأخذ والمنح سواء :
« إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ . وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ »
. إن تجمع هؤلاء القوم
« وَهُمْ أُلُوفٌ »
وخروجهم من ديارهم
« حَذَرَ الْمَوْتِ »
. . لا يكون إلا في حالة هلع وجزع ، سواء كان هذا الخروج خوفا من عدو مهاجم ، أو من وباء حائم . . إن هذا كله لم يغن عنهم من الموت شيئا :
« فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ . . مُوتُوا »
. . كيف قال لهم ؟ كيف ماتوا ؟ هل ماتوا بسبب مما هربوا منه وفزعوا ؟ هل ماتوا بسبب آخر من حيث لم يحتسبوا ؟ كل ذلك لم يرد عنه تفصيل ، لأنه ليس موضع العبرة . إنما موضع العبرة أن الفزع والجزع والخروج والحذر ، لم تغير مصيرهم ، ولم تدفع عنهم الموت ، ولم ترد عنهم قضاء اللّه . وكان الثبات والصبر والتجمل أولى لو رجعوا للّه . .
« ثُمَّ أَحْياهُمْ »
. . كيف ؟ هل بعثهم من موت ورد عليهم الحياة ؛ هل خلف من ذريتهم خلف تتمثل فيه الحياة القوية فلا يجزع ولا يهلع هلع الآباء ؟ . . ذلك كذلك لم يرد عنه تفصيل . فلا ضرورة لأن نذهب وراءه في التأويل ، لئلا نتيه في أساطير لا سند لها كما جاء في بعض التفاسير . . إنما الإيحاء الذي يتلقاه القلب من هذا النص أن اللّه وهبهم الحياة من غير جهد منهم . في حين أن جهدهم لم يرد الموت عنهم . إن الهلع لا يرد قضاء ؛ وإن الفرع لا يحفظ حياة ؛ وإن الحياة بيد اللّه هبة منه بلا جهد من الأحياء . . إذن فلا نامت أعين الجبناء ! 244 -
« وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »
. . هنا ندرك طرفا من هدف تلك الحادثة ومغزاها ؛ وندرك طرفا من حكمة اللّه في سوق هذه التجربة للجماعة المسلمة في جيلها الأول وفي أجيالها جميعا . . ألا يقعدن بكم حب الحياة ، وحذر الموت ، عن الجهاد في سبيل اللّه . فالموت والحياة بيد اللّه . قاتلوا في سبيل اللّه لا في سبيل غاية أخرى . وتحت راية اللّه لا تحت راية أخرى . . قاتلوا في سبيل اللّه :
« وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ »
. .
في ظلال القرآن — صفحة 264 | سيد قطب