يسمع ويعلم . . يسمع القول ويعلم ما وراءه . أو يسمع فيستجيب ويعلم ما يصلح الحياة والقلوب . قاتلوا في سبيل اللّه وليس هناك عمل ضائع عند اللّه ، واهب الحياة وآخذ الحياة .
245 - والجهاد في سبيل اللّه بذل وتضحية . وبذل المال والإنفاق في سبيل اللّه يقترن في القرآن غالبا بذكر الجهاد والقتال . وبخاصة في تلك الفترة حيث كان الجهاد تطوعا ، والمجاهد ينفق على نفسه ، وقد يقعد به المال حين لا يقعد به الجهد ؛ فلم يكن بد من الحث المستمر على الإنفاق لتيسير الطريق للمجاهدين في سبيل اللّه . وهنا تجيء الدعوة إلى الإنفاق في صورة موحية دافعة :
« مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً ، وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ ، وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ »
. .
وإذا كان الموت والحياة بيد اللّه ، والحياة لا تذهب بالقتال إذا قدر اللّه لها البقاء ، فكذلك المال لا يذهب بالإنفاق . إنما هو قرض حسن للّه ، مضمون عنده ، يضاعفه أضعافا كثيرة . يضاعفه في الدنيا مالا وبركة وسعادة وراحة ؛ ويضاعفه في الآخرة نعيما ومتاعا ، ورضى وقربى من اللّه .
ومرد الأمر في الغنى والفقر إلى اللّه ، لا إلى حرص وبخل ، ولا إلى بذل وإنفاق :
« وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ »
. .
والمرجع إليه سبحانه في نهاية المطاف . فأين يكون المال والناس أنفسهم راجعون بقضهم وقضيضهم إلى اللّه :
« وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ »
. .
وإذن فلا فزع من الموت ، ولا خوف من الفقر ، ولا محيد عن الرجعة إلى اللّه . وإذن فليجاهد المؤمنون في سبيل اللّه ، وليقدموا الأرواح والأموال ؛ وليستيقنوا أن أنفاسهم معدودة ، وأن أرزاقهم مقدرة ، وأنه من الخير لهم أن يعيشوا الحياة قوية طليقة شجاعة كريمة . ومردهم بعد ذلك إلى اللّه . .
ولا يفوتني بعد تقرير تلك الإيحاءات الإيمانية التربوية الكريمة التي تضمنتها الآيات . . أن ألم بذلك الجمال الفني في الأداء :
« أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ؟ »
. . إن في التعبير استعراضا لهذه الألوف ولهذه الصفوف استعراضا ترسمه هاتان الكلمتان :
« أَ لَمْ تَرَ ؟ »
. . وأي تعبير آخر ما كان ليرسم أمام المخيلة هذا الاستعراض كما رسمته هاتان الكلمتان العاديتان في موضعهما المختار .
ومن مشهد الألوف المؤلفة ، الحذرة من الموت ، المتلفتة من الذعر . . إلى مشهد الموت المطبق في لحظة ؛ ومن خلال كلمة :
« مُوتُوا »
. . كل هذا الحذر ، وكل هذا التجمع ، وكل هذه المحاولة . . كلها ذهبت هباء في كلمة واحدة :
« مُوتُوا »
. . ليلقي ذلك في الحس عبث المحاولة ، وضلالة المنهج ؛ كما يلقي صرامة القضاء ، وسرعة الفصل عند اللّه .
« ثُمَّ أَحْياهُمْ »
. . هكذا بلا تفصيل للوسيلة . . إنها القدرة المالكة زمام الموت وزمام الحياة . المتصرفة في شؤون العباد ، لا ترد لها إرادة ولا يكون إلا ما تشاء . . وهذا التعبير يلقي الظل المناسب على مشهد الموت ومشهد الحياة .
ونحن في مشهد إماتة وإحياء . قبض للروح وإطلاق . . فلما جاء ذكر الرزق كان التعبير :
« وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْصُطُ »
. . متناسقا في الحركة مع قبض الروح وإطلاقها في إيجاز كذلك واختصار .