أن القرآن هو كتاب هذه الأمة الحي ؛ ورائدها الناصح ؛ وأنه هو مدرستها التي تلقت فيها دروس حياتها .
وأن اللّه - سبحانه - كان يربي به الجماعة المسلمة الأولى التي قسم لها إقامة منهجه الرباني في الأرض ، وناط بها هذا الدور العظيم بعد أن أعدها له بهذا القرآن الكريم . وأنه - تعالى - أراد بهذا القرآن أن يكون هو الرائد الحي - الباقي بعد وفاة الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - لقيادة أجيال هذه الأمة ، وتربيتها ، وإعدادها لدور القيادة الراشدة الذي وعدها به ، كلما اهتدت بهديه ، واستمسكت بعهدها معه ، واستمدت منهج حياتها كله من هذا القرآن ، واستعزت به واستعلت على جميع المناهج الأرضية . وهي بصفتها هذه ، مناهج الجاهلية ! إن هذا القرآن ليس مجرد كلام يتلى . . ولكنه دستور شامل . . دستور للتربية ، كما أنه دستور للحياة العملية ، ومن ثم فقد تضمن عرض تجارب البشرية بصورة موحية على الجماعة المسلمة التي جاء لينشئها ويربيها ؛ وتضمن بصفة خاصة تجارب الدعوة الإيمانية في الأرض من لدن آدم - عليه السلام - وقدمها زادا للأمة المسلمة في جميع أجيالها . تجاربها في الأنفس ، وتجاربها في واقع الحياة . كي تكون الأمة المسلمة على بينة من طريقها ، وهي تتزود لها بذلك الزاد الضخم ، وذلك الرصيد المتنوع .
ومن ثم جاء القصص في القرآن بهذه الوفرة ، وبهذا التنوع ، وبهذا الإيحاء . . وقصص بني إسرائيل هو أكثر القصص ورودا في القرآن الكريم ، لأسباب عدة ، ذكرنا بعضها في الجزء الأول من الظلال عند استقبال أحداث بني إسرائيل ؛ وذكرنا بعضها في هذا الجزء في مناسبات شتى - وبخاصة في أوله - ونضيف إليها هنا ما نرجحه . . وهو أن اللّه - سبحانه - علم أن أجيالا من هذه الأمة المسلمة ستمر بأدوار كالتي مر فيها بنو إسرائيل ، وتقف من دينها وعقيدتها مواقف شبيهة بمواقف بني إسرائيل ؛ فعرض عليها مزالق الطريق ، مصورة في تاريخ بني إسرائيل ، لتكون لها عظة وعبرة ؛ ولترى صورتها في هذه المرآة المرفوعة لها بيد اللّه - سبحانه - قبل الوقوع في تلك المزالق أو اللجاج فيها على مدار الطريق ! إن هذا القرآن ينبغي أن يقرأ وأن يتلقى من أجيال الأمة المسلمة بوعي . وينبغي أن يتدبر على أنه توجيهات حية ، تتنزل اليوم ، لتعالج مسائل اليوم ، ولتنير الطريق إلى المستقبل . لا على أنه مجرد كلام جميل يرتل ؛ أو على أنه سجل لحقيقة مضت ولن تعود ! ولن ننتفع بهذا القرآن حتى نقرأه لنلتمس عنده توجيهات حياتنا الواقعة في يومنا وفي غدنا ؛ كما كانت الجماعة المسلمة الأولى تتلقاه لتلتمس عنده التوجيه الحاضر في شؤون حياتها الواقعة . . وحين نقرأ القرآن بهذا الوعي سنجد عنده ما نريد . وسنجد فيه عجائب لا تخطر على البال الساهي ! سنجد كلماته وعباراته وتوجيهاته حية تنبض وتتحرك وتشير إلى معالم الطريق ؛ وتقول لنا : هذا فافعلوه وهذا لا تفعلوه . وتقول لنا : هذا عدولكم وهذا صديق . وتقول لنا : كذا فاتخذوا من الحيطة وكذا فاتخذوا من العدة . وتقول لنا حديثا طويلا مفصلا دقيقا في كل ما يعرض لنا من الشؤون . . وسنجد عندئذ في القرآن متاعا وحياة ؛ وسندرك معنى قوله تعالى :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذا دَعاكُمْ لِما يُحْيِيكُمْ »
. . فهي دعوة للحياة . .
للحياة الدائمة المتجددة . لا لحياة تاريخية محدودة في صفحة عابرة من صفحات التاريخ .
هذا الدرس يعرض تجربتين من تجارب الأمم ؛ يضمهما إلى ذخيرة هذه الأمة من التجارب ؛ ويعد بهما الجماعة المسلمة لما هي معرضة له في حياتها من المواقف ؛ بسبب قيامها بدورها الكبير ، بوصفها وارثة العقيدة الإيمانية ، ووارثة التجارب في هذا الحقل الخصيب .