والأولى تجربة لا يذكر القرآن أصحابها ؛ ويعرضها في اختصار كامل ، ولكنه واف . فهي تجربة جماعة
« خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ »
. . فلم ينفعهم الخروج والفرار والحذر ؛ وأدركهم قدر اللّه الذي خرجوا حذرا منه . . فقال لهم اللّه :
« مُوتُوا »
. .
« ثُمَّ أَحْياهُمْ »
. . لم ينفعهم الجهد في اتقاء الموت ، ولم يبذلوا جهدا في استرجاع الحياة . وإنما هو قدر اللّه في الحالين .
وفي ظل هذه التجربة يتجه إلى الذين آمنوا يحرضهم على القتال ، وعلى الإنفاق في سبيل اللّه ، واهب الحياة .
وواهب المال . والقادر على قبض الحياة وقبض المال .
والثانية تجربة في حياة بني إسرائيل من بعد موسى . . بعد ما ضاع ملكهم ، ونهبت مقدساتهم ، وذلوا لأعدائهم ، وذاقوا الويل بسبب انحرافهم عن هدي ربهم ، وتعاليم نبيهم . . ثم انتفضت نفوسهم انتفاضة جديدة ؛ واستيقظت في قلوبهم العقيدة ؛ واشتاقوا القتال في سبيل اللّه . فقالوا :
« لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنا مَلِكاً نُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ »
.
ومن خلال هذه التجربة - كما يعرضها السياق القرآني الموحي - تبرز جملة حقائق ، تحمل إيحاءات قوية للجماعة المسلمة في كل جيل ، فضلا على ما كانت تحمله للجماعة المسلمة في ذلك الحين .
والعبرة الكلية التي تبرز من القصة كلها هي أن هذه الانتفاضة - انتفاضة العقيدة - على الرغم من كل ما اعتورها أمام التجربة الواقعة من نقص وضعف ، ومن تخلي القوم عنها فوجا بعد فوج في مراحل الطريق - على الرغم من هذا كله فإن ثبات حفنة قليلة من المؤمنين عليها قد حقق لبني إسرائيل نتائج ضخمة جدا . .
فقد كان فيها النصر والعز والتمكين ، بعد الهزيمة المنكرة ، والمهانة الفاضحة ، والتشريد الطويل والذل تحت أقدام المتسلطين . ولقد جاءت لهم بملك داود ، ثم ملك سليمان - وهذه أعلى قمة وصلت إليها دولة بني إسرائيل في الأرض ، وهي عهدهم الذهبي الذي يتحدثون عنه ؛ والذي لم يبلغوه من قبل في عهد النبوة الكبرى . .
وكان هذا النصر كله ثمرة مباشرة لانتفاضة العقيدة من تحت الركام ؛ وثبات حفنة قليلة عليها أمام جحافل جالوت ! وفي خلال التجربة تبرز بضع عظات أخرى جزئية ؛ كلها ذات قيمة للجماعة المسلمة في كل حين :
من ذلك . . أن الحماسة الجماعية قد تخدع القادة لو أخذوا بمظهرها . فيجب أن يضعوها على محك التجربة قبل أن يخوضوا بها المعركة الحاسمة . . فقد تقدم الملأ من بني إسرائيل - من ذوي الرأي والمكانة فيهم - إلى نبيهم في ذلك الزمان ، يطلبون إليه أن يختار لهم ملكا يقودهم إلى المعركة مع أعداء دينهم ، الذين سلبوا ملكهم وأموالهم ومعها مخلفات أنبيائهم من آل موسى وآل هارون . فلما أراد نبيهم أن يستوثق من صحة عزيمتهم على القتال ، وقال لهم :
« هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ أَلَّا تُقاتِلُوا ! »
استنكروا عليه هذا القول ، وارتفعت حماستهم إلى الذروة وهم يقولون له :
« وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنا مِنْ دِيارِنا وَأَبْنائِنا ؟ »
. .
ولكن هذه الحماسة البالغة ما لبثت أن انطفأت شعلتها ، وتهاوت على مراحل الطريق كما تذكر القصة ؛ وكما يقول السياق بالإجمال :
« فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ »
. . ومع أن لبني إسرائيل طابعا خاصا في النكول عن العهد ، والنكوص عن الوعد ، والتفرق في منتصف الطريق . . إلا أن هذه الظاهرة هي ظاهرة بشرية على كل حال ، في الجماعات التي لم تبلغ تربيتها الإيمانية مبلغا عاليا من التدريب . . وهي خليقة بأن تصادف قيادة الجماعة المسلمة في أي جيل . . فيحسن الانتفاع فيها بتجربة بني إسرائيل .
ومن ذلك أن اختبار الحماسة الظاهرة والاندفاع الفائر في نفوس الجماعات ينبغي أن لا يقف عند الابتلاء الأول . . فإن كثرة بني إسرائيل هؤلاء قد تولوا بمجرد أن كتب عليهم القتال استجابة لطلبهم . ولم تبق إلا