قلة مستمسكة بعهدها مع نبيها . وهم الجنود الذين خرجوا مع طالوت بعد الحجاج والجدال حول جدارته بالملك والقيادة ، ووقوع علامة اللّه باختياره لهم ، ورجعة تابوتهم وفيه مخلفات أنبيائهم تحمله الملائكة . . . ! ومع هذا فقط سقطت كثرة هؤلاء الجنود في المرحلة الأولى . وضعفوا أمام الامتحان الأول الذي أقامه لهم قائدهم :
« فَلَمَّا فَصَلَ طالُوتُ بِالْجُنُودِ قالَ : إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ : فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي . وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي - إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ - فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ »
. . وهذا القليل لم يثبت كذلك إلى النهاية .
فأمام الهول الحي ، أمام كثرة الأعداء وقوتهم ، تهاوت العزائم وزلزلت القلوب :
« فَلَمَّا جاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قالُوا : لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ »
. . وأمام هذا التخاذل ثبتت الفئة القليلة المختارة . .
اعتصمت باللّه ووثقت ، وقالت :
« كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ »
. . وهذه هي التي رجحت الكفة ، وتلقت النصر ، واستحقت العز والتمكين .
وفي ثنايا هذه التجربة تكمن عبرة القيادة الصالحة الحازمة المؤمنة . . وكلها واضحة في قيادة طالوت . تبرز منها خبرته بالنفوس ؛ وعدم اغتراره بالحماسة الظاهرة ، وعدم اكتفائه بالتجربة الأولى ، ومحاولته اختبار الطاعة والعزيمة في نفوس جنوده قبل المعركة ، وفصله للذين ضعفوا وتركهم وراءه . . ثم - وهذا هو الأهم - عدم تخاذله وقد تضاءل جنوده تجربة بعد تجربة ؛ ولم يثبت معه في النهاية إلا تلك الفئة المختارة . فخاض بها المعركة ثقة منه بقوة الإيمان الخالص ، ووعد اللّه الصادق للمؤمنين .
والعبرة الأخيرة التي تكمن في مصير المعركة . . أن القلب الذي يتصل باللّه تتغير موازينه وتصوراته ؛ لأنه يرى الواقع الصغير المحدود بعين تمتد وراءه إلى الواقع الكبير الممتد الواصل ، وإلى أصل الأمور كلها وراء الواقع الصغير المحدود . فهذه الفئة المؤمنة الصغيرة التي ثبتت وخاضت المعركة وتلقت النصر ، كانت ترى من قلتها وكثرة عدوها ما يراه الآخرون الذين قالوا :
« لا طاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ »
. . ولكنها لم تحكم حكمهم على الموقف . إنما حكمت حكما آخر ، فقالت :
« كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ »
. . ثم اتجهت لربها تدعوه :
« رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ »
. .
وهي تحس أن ميزان القوى ليس في أيدي الكافرين ، إنما هو في يد اللّه وحده . فطلبت منه النصر ، ونالته من اليد التي تملكه وتعطيه . . وهكذا تتغير التصورات والموازين للأمور عند الاتصال باللّه حقا ، وعندما يتحقق في القلب الإيمان الصحيح . وهكذا يثبت أن التعامل مع وعد اللّه الواقع الظاهر للقلوب أصدق من التعامل مع الواقع الصغير الظاهر للعيون ! ولا نستوعب الإيحاءات التي تتضمنها القصة . فالنصوص القرآنية - كما علمتنا التجربة - تفصح عن إيحاءاتها لكل قلب بحسب ما هو فيه من الشأن ؛ وبقدر حاجته الظاهرة فيه . ويبقى لها رصيدها المذخور تتفتح به على القلوب ، في شتى المواقف ، على قدر مقسوم . .
فنخلص إذن من هذا العرض العام إلى تفصيل النصوص :
243 -
« أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ ؛ فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ : مُوتُوا . ثُمَّ أَحْياهُمْ . إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ »
. .
لا أحب أن نذهب في تيه التأويلات ، عن هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت . . من - هم ؟ وفي أي أرض كانوا ؟ وفي أي زمان خرجوا ؟ . . . . فلو كان اللّه يريد بيانا عنهم لبين ، كما يجيء القصص