تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
أحد ؟ ما أجهله إذا ظن ذلك ، فإن في الوجود قوة جميع القوى هي المهيمنة على كل قوة ، والمسيطرة على كل قدرة ، وهي القوّة التي أبدعته ، والقدرة التي أنشأته . ثم ذكر صنفا آخر من الأغنياء البخلاء المرائين فقال :
( يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالًا لُبَداً )
أي إنهم إذا طلب إليهم أن يعملوا عملا من أعمال البر قالوا : إننا ننفق الكثير من أموالنا في المفاخر والمكارم ، ولم يعلموا أن المكرمة ما عدّه اللّه مكرمة ، والبرّ ما اعتبره اللّه برا ، فليس من البر إنفاقهم المال في مشاقة اللّه ورسوله ، ولا إنفاقهم طائل الأموال في الصدّ عن سبيل اللّه ، والكيد للذين آمنوا باللّه ورسوله .
( أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ )
أي أيظن ذلك المغتر بماله ، المدعى أنه أنفقه في سبيل الخير - أن اللّه لم يطلع على أفعاله ؛ ولم يعلم ما دعاه إلى الإنفاق ؟ إنه لا ينبغي له أن يظن ذلك ، فإن البارئ له مطلع على قرارة نفسه ، عالم بخبيئات قلبه ، لا يعزب عنه شئ في الأرض ولا في السماء ، عليم بأنه لم ينفق شيئا من ماله في سبيل الخير المشروع والبر المحمود ، وإنما أنفق ما أنفق للرياء والسمعة ، أو لمشاقة اللّه ورسوله ، أو في وجوه أخرى يظنها خيرا وهي خسران وضلال مبين . وبعد أن أنكر على هؤلاء اغترارهم بقوتهم وكثرة أموالهم - شرع يذكر آثار قدرته الغالبة ، ليبين لهم أن هناك قوة لها من الآثار ما هم يشاهدون فقال :
( أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ )
فهو إذا أبصر شيئا فإنما يكون ذلك بما خلقنا له من العينين ، فهذه النعمة التي يعتز بها إنما هي من عملنا .
( وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ )
فإذا أبان عما في نفسه ، فإنما يبين بما وهبنا له من لدنا من تلك الجارحة التي يتكلم بها ، فإذا غرّه حديثه ، أو قوة حجته ، فليس فضل ذلك راجعا إليه ، وإنما الفضل لمن وهبه ذلك .