تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
ثم ذكر المحلوف عليه فقال :
( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ )
أي إنه تعالى جعل حياة الإنسان سلسلة متصلة الجهاد ، مبتدئة بالمشقة ، منتهية بها ؛ فهو لا يزال يقاسى من ضروبها ما يقاسى منذ نشأته في بطن أمه إلى أن يصير رجلا ، وكلما كبر ازدادت أتعابه وآلامه ، فهو يحتاج إلى تحصيل أرزاقه وتربية أولاده ، وإلى مقارعة الخطوب والنوازل ، ومصابرة النفس على الطاعة والخضوع للواحد المعبود . ثم بعد هذا كله يمرض ويموت ، ويلاقى في قبره وفي آخرته من المشاقّ والمتاعب ، ما لا يقدر عليه إلا بتيسير اللّه سبحانه . والسر في التنبيه إلى أن الإنسان قد خلق في عناء - الرغبة في تسلية رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وحضه على عمل الخير والمثابرة عليه ، وألا يعبأ بما يلاقيه من الشدائد والمشاقّ ، وأن ذلك لا يخلو منه إنسان . إلى ما فيه من تنبيه المغرورين الذين يشعرون بالقوة في أنفسهم ، ويظنون أنهم بها يستطيعون مصارعة الأقران ، وكأنه يقول لهم : لا تتمادوا في غروركم ، ولا تستمروا على صلفكم وكبريائكم ، فإن الإنسان لا يخلو من العناء في تصريف شؤونه وشؤون ذويه ، ومهما عظمت منزلته ، وقويت شكيمته . فهو لا يستطيع الخلاص من مشاقّ الحياة . وقد جمع سبحانه بين البلد المعظم والوالد والولد ، ليشير إلى أن مكة على ما بها من عمل أهلها ستلد مولودا عظيما يكون إكليلا لمجد النوع الإنسانى وشرفه ، وهو دين الإسلام الذي جاء به محمد عليه الصلاة والسلام ؛ وأن العناء الذي يلاقيه إنما هو العناء الذي يصيب الوالد في تربية ولده ، والمولود في بلوغ الغاية في سبيل نموه ؛ إلى ما فيه من الوعد بإتمام نوره ولو كره الكافرون .