الإيضاح
( لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ )
تقدّم أن قلنا إن مثل هذا التعبير قسم مؤكد في كلام العرب ، وقد أقسم ربنا بمكة التي شرفها فجعلها حرما آمنا ، وجعل فيها البيت الحرام مثابة للناس يرجعون إليه ويعاودون زيارته كلما دعاهم إليه الشوق ، وجعل فيه الكعبة قبلة لأهل المشرق والمغرب ، وأمر بالتوجه إليها في الصلوات التي تكرر كل يوم فقال :
« وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ » *
.
( وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ )
أي وأنت مقيم بهذا البلد حالّ فيه ، وكأنه سبحانه جعل من أسباب شرف مكة وعظمتها كونه صلى اللّه عليه وسلم مقيما فيه ، ولا شك أن الأمكنة تشرف بشرف ساكنيها ، والنازلين بها .
وأتى بهذه الجملة ليفيد أن مكة جليلة القدر في كل حال حتى في الحال التي لم يراع أهلها في معاملتك تلك الحرمة التي خصها اللّه بها .
وفي هذا إيقاظ وتنبيه لهم من غفلتهم ، وتقريع على حط منزلة بلدهم .
( وَوالِدٍ وَما وَلَدَ )
أي وكل والد وكل مولود من الإنسان وغيره .
وفي القسم بهذا لفت لأنظارنا إلى رفعة قدر هذا الطور من أطوار الوجود وهو طور التوالد ، وإلى ما فيه من بالغ الحكمة وإتقان الصنع ، وإلى ما يعانيه كل من الوالد والمولود في إبداء النشء ، وتبليغ الناشئ وإبلاغه حده من النمو المقدّر له .
انظر إلى البذرة في أطوار نموها ، كم تعاني من اختلاف الأجواء ، ومحاولة امتصاص الغذاء مما حولها من العناصر إلى أن تستقيم شجرة ذات فروع وأغصان ، وتستعد لأن تلد بذرة أو بذورا أخرى تعمل عملها ، وتزين الوجود بجمال منظرها .
وأمر الإنسان والحيوان في ذلك أعجب وأعظم ، والتعب والعناء الذي يلاقيا كل منهما في سبيل حفظ نوعه ، واستبقاء جمال الكون بوجوده أشد وأكبر .