تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
والخلاصة - إن العذاب الذي طلبه السائلون واستبطئوه واقع لا محالة ، وهو سبحانه لم يفعل ذلك إلا لحكمة ، وهي وضعهم في الدركات التي هم أهل لها بحسب استعدادهم ، وما دسّوا به أنفسهم من سيئ الأعمال والخطايا التي أحاطت بهم من كل صوب . وقد نظم سبحانه العوالم فجعل منها مصاعد ، ومنها دركات ، فليكن هؤلاء في الدركات ، وليكن المؤمنون والملائكة في الدرجات طبقا عن طبق على نظم ثابتة اقتضتها الحكمة والمصلحة . ثم بيّن مقدار ارتفاع تلك الدرجات فقال :
( تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ )
أي تصعد في تلك المعارج الملائكة وجبريل عليه السلام إلى مواضع لو أراد واحد من أهل الدنيا أن يصعد إليها لبقى في ذلك الصعود خمسين ألف سنة ، لكنهم يصعدون إليها في الزمن القليل ، وليس المراد من ذكر الخمسين تحديد العدد ، بل المقصد أن مقام القدس الإلهى بعيد المدى عن مقام العباد ، فهم في المادة مغموسون ، وهناك عوالم ألطف وألطف ، درجات بعضها فوق بعض ، وكل عالم ألطف مما قبله ، وكلما لطف العالم العلوي كان أشد قوة وهكذا :
« وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى »
.
( فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلًا )
أي إذا سألوا استعجال العذاب على سبيل الاستهزاء والتكذيب بالوحي ، وكان هذا يورث ضجرك أيها الرسول - فاصبر صبرا جميلا بلا جزع ولا شكوى ، لأنه أمر محقق ، وكل آت قريب . ثم بيّن أن هذا اليوم آت لا شك فيه فقال :
( إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيداً وَنَراهُ قَرِيباً )
أي إنهم يرون هذا اليوم الذي مقداره خمسون ألف سنة - بعيدا غير ممكن ، ونحن نراه قريبا هيّنا غير بعيد علينا ولا متعذر . ثم ذكر وقت حدوثه فقال :
( يَوْمَ تَكُونُ السَّماءُ كَالْمُهْلِ )
أي إن العذاب واقع بالكافرين يوم تكون السماء كأنها عكر الزيت ، والمراد أنها تكون واهية ضعيفة غير متماسكة .