الفهم ، وعملوا بما فيها ، لرأوا فيها نعت الرسول والبشارة به ، وأنه يجب عليهم اتباعه ، وما مثلهم في حملهم للتوراة وتركهم العمل بها إلا مثل الحمار يحمل الكتب ولا يجديه حملها نفعا .
ثم رد عليهم مقالا آخر إذ قالوا نحن أحباء اللّه وأولياؤه وإنه لن يدخلنا النار إلا أياما معدودات - بأنه لو كان ما تقولونه حقا لتمنيتم الموت حتى تخلصوا من هذه الدار دار الأكدار ، وتذهبوا إلى دار النعيم ، وإنكم لن تفعلوا ذلك فأنتم كاذبون فيما تدّعون ، ولم تفرون منه وهو ملاقيكم ولا محالة ؟ وهناك ترجعون إلى ربكم فينبئكم بما قدمتم من عمل ويجازيكم عليه ، إن خيرا وإن شرا .
الإيضاح
( مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً )
يقول سبحانه ذاما لليهود الذين أعطوا التوراة وحملوها للعمل بها ، ثم لم يعملوا بها : ما مثل هؤلاء إلا كمثل الحمار يحمل الكتب لا يدرى ما فيها ، ولا كنه ما يحمل ، بل هم أسوأ حالا من الحمر ، لأن الحمر لا فهم لها ، وهؤلاء لهم فهوم لم يستعملوها فيما ينفعهم ، إذ حرّفوا التوراة فأوّلوها وبدّلوها ، فهم كما قال في الآية الأخرى :
« أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ »
.
وصفوة القول : إن هذا النبي الذي تقولون إنه أرسل إلى العرب خاصة ، هو ذلك النبي المنعوت في التوراة والمبشّر به فيها ؛ فكيف تنكرون نبوته ، وكتابكم يحض على الإيمان به ؟ فما مثلكم في حملكم للتوراة مع عدم العمل بما فيها إلا مثل الحمار يحمل الكتب ولا يدرى ما فيها ، فأنتم إذ لم تعملوا بما فيها وهي حجة عليكم إلا مثل الحمار ليس له إلا ثقل الحمل من غير انتفاع له بما حمل .
ثم بين قبح هذا المثل وشديد وقعه على من يعقله ويتدبره فقال :