تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
فلا تجدى فيها العظة والعبرة ولا مخالطة المؤمنين المتقين ، وضرب لذلك المثل بامرأة نوح وامرأة لوط فقد كانتا في بيت النبوة ولم يلن قلبهما للإيمان والإسلام . كذلك إذا كان جوهر النفس نقيا خالصا من كدورة الكفر والنفاق فمجاورتها للكفرة وعشرتها إياهم لا تغير من حالها شيئا ، ولا يؤثر فيها ضلال الضالين ولا عتوّ الظالمين ، وضرب لذلك مثل امرأة فرعون التي ألحف عليها فرعون وقومه أن تعتنق الوثنية التي كانوا يدينون بها ، وتعتقد ألوهيته هو فأبت وجاهدت في اللّه حق جهاده حتى لاقت ربها وهي آمنة مطمئنة قريرة العين بما دخل في قلبها من نور الإيمان ، وكذلك مريم بنت عمران التي عفّت فآتاها اللّه الشرف والكرامة ، وأنجبت نبي اللّه عيسى ، وصدقت بجميع شرائعه وكتبه وكانت من العابدين القانتين . وفي هذا المثل إيماء إلى أن قرابة المشركين للنبي صلى اللّه عليه وسلم لا تجديهم نفعا بعد كفرهم وعداوتهم له وللمؤمنين ، فإن الكفر قد قطع العلائق بينه وبينهم وجعلهم كالأجانب ، بل أبعد منهم كحال امرأة نوح وامرأة لوط لما خانتاهما ، كما تضمن التعريض بأمى المؤمنين حفصة وعائشة لما فرط منهما ، والتحذير لهما على أغلظ وجه وأشده .

الإيضاح

( ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ )
أي ضرب اللّه مثلا يبين به حال الكافرين الذين لم ينتفعوا بعظات المؤمنين الصادقين من النبيين والمرسلين لظلمة قلوبهم وسوء استعدادهم وفساد فطرتهم - امرأة نوح وامرأة لوط إذ كانتا في عصمة نبيّين يمكنهما أن ينتفعا بهديهما ويحصّلا ما فيه سعادتهما في معاشهما ومعادهما ، لكنهما أبتا ذلك وعملتا ما يدل على الخيانة والكفر ، فاتهمت الأولى زوجها بالجنون ، وكانت الثانية ترشد قوم لوط إلى ضيوفه لمآرب خبيثة ،