فلم يدفع عنهما قربهما من ذينك السدين الصالحين شيئا ، وحاق بهما سوء ما عملتا وسيحل بهما عقاب اللّه ، وسيدخلان النار في زمرة داخليها جزاء وفاقا لما اجترحتا من السيئات ، وما دسّتا به أنفسهما من كبير الآثام ، وعظيم المعاصي .
وفي هذا تعريض بأمهات المؤمنين ، وتخويف لهنّ بأنه لا يفيدهنّ - إن أتين بمعصية - اتصالهنّ بالنبي صلى اللّه عليه وسلم وكونهنّ في عصمته .
وبعد أن ضرب مثلا يبين به أن وصلة الكافرين بالمؤمنين لا تفيدهم شيئا .
أرشد إلى عكس هذا فأفاد أن اتصال المؤمنين بالكافرين لا يضرهم شيئا فقال :
( وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ )
أي وجعل اللّه حال امرأة فرعون مثلا يبين به أن وصلة المؤمنين بالكافرين لا تضرهم شيئا إذا كانت النفوس خالصة من الأكدار ، فقد كانت تحت أعدى أعداء اللّه في الدنيا ، وطلبت النجاة منه ومن عمله ، وقالت في دعائها : رب اجعلني قريبا من رحمتك ، وابن لي بيتا في الجنة ، وخلصني من أعمال فرعون الخبيثة ، وأنقذنى من قومه الظالمين .
وفي هذا دليل على أنها كانت مؤمنة مصدّقة بالبعث ، ومن سنن اللّه أن لا تزر وازرة وزر أخرى ، وأن لكل نفس ما كسبت ، وعليها ما اكتسبت .
( وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا وَصَدَّقَتْ بِكَلِماتِ رَبِّها وَكُتُبِهِ وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ )
أي وضرب اللّه مثلا للذين آمنوا حال مريم وما أوتيت من كرامة الدنيا وكرامة الآخرة ، فاصطفاها ربها مع أن أكثر قومها كانوا كفارا ، من قبل أنها منعت جيب درعها جبريل عليه السلام وقالت له :
« إنّى أعوذ بالرّحمن منك إن كنت تقيّا » فأثبتت بذلك عفتها وكمال طهارتها ، فنفخ جبريل في جيب درعها فحملت بنبي اللّه وكلمته عيسى صلوات اللّه عليه ، وصدقت بشرائع اللّه وكتبه التي أنزلها على أنبيائه ، وكانت في عداد القانتين العابدين المخبتين لربهم المطيعين له .