تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
وإذا كان المؤمنون قد أصابهم الوهن ولم يمض على الإسلام أكثر من ثلاث عشرة سنة كما قال ابن عباس ، فما بالهم اليوم وقد مضى عليهم أكثر من ثلاثة عشر قرنا ، فتعبير الآية عن حالهم الآن بالأولى ، فالوهن الآن أضعاف مضاعفة عما كان في تلك الحقبة ، ومن ثم أفرط الفرنجة في إذلالهم واستعبادهم ، وصاروا غرباء في ديارهم ، والأمر والنهى فيها لسواهم :
ويقضى الأمر حين تغيب تيم * ولا يستأذنون وهم شهود
ثم حذرهم أن يكونوا كأهل الكتاب قبلهم فقال :
( وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ )
أي لا يتشبهوا بالذين حمّلوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى حين طال الأمد بينهم وبين أنبيائهم ، فقست قلوبهم ولم تقبل موعظة ولم يؤثر فيها وعد ولا وعيد ، وبدلوا كتاب اللّه الذي بأيديهم ، واشتروا به ثمنا قليلا ، ونبذوه وراء ظهورهم ، وأقبلوا على الآراء المختلفة ، والأقوال المؤتفكة ، وقلدوا في دين دون دليل ولا برهان ، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه ، وكثير منهم خرج عن أوامر الدين في الأعمال والأقوال كما قال :
« فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ »
. أي فسدت قلوبهم فقست وصار سجيتهم تحريف الكلم عن مواضعه ، فتركوا الأعمال التي أمروا بها ، واجترحوا ما نهوا عنه . والخلاصة - إن اللّه نهى المؤمنين أن يكونوا حين سماع القرآن غير متدبرين مواعظه كاليهود والنصارى الذين قست قلوبهم ، لما طال العهد بينهم وبين أنبيائهم . ثم ضرب المثل لتأثير المواعظ وتلاوة القرآن في القلوب فقال :
( اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ )
أي إن اللّه تعالى يلين القلوب بعد قسوتها ، ويهدى النفوس الحيارى بعد ضلّتها ،