( ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )
أي ذلك الخلود في الجنات التي سمعتم أوصافها هو النجح العظيم الذي كنتم تطلبونه بعد النجاة من عقاب اللّه .
وبعد أن ذكر حال المؤمنين في موقف القيامة أتبعه ببيان حال المنافقين فقال :
( يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ )
أي في هذا اليوم يقول المنافقون والمنافقات : أيها الذين نجوتم بإيمانكم بربكم وفزتم برضوانه حتى دخلتم فسيح جناته ، انتظروا نلحق بكم ونقتبس من نوركم حتى نخرج من ذلك الظلام الدامس ، والعذاب الأليم الذي نحن مقبلون عليه ، فيجابون بما يخيّب آمالهم ويلحق بهم الحسرة والندامة كما قال :
( قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً )
أي ارجعوا من حيث أتيتم ، واطلبوا لأنفسكم هناك نورا ، فإنه لا سبيل إلى الاقتباس من نورنا الذي كان بما قدمنا لأنفسنا وادّخرنا لها من عمل صالح ، فأيهات أيهات أن تنالوا نورا ، إذ لا ينفع المرء حينئذ إلا عمله ، وللّه در القائل :
صاح هل ريت أو سمعت براع * ردّ في الضّرع ما قرى في الحلاب
ولا يخفى ما في هذا من التهكم بهم ، والاستهزاء بطلبهم ، كما استهزءوا بالمؤمنين في الدنيا حين قالوا آمنا ، وما هم بمؤمنين ، وذلك ما عناه سبحانه بقوله :
« اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ »
أي حين يقال لهم :
« ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً »
.
ثم ذكر ما يكون بعد هذه المقالة فقال :
( فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ )
أي فضرب بين الفريقين حاجز جانبه الذي يلي مكان المؤمنين وهو الجنة فيه الرحمة ، وجانبه الذي يلي المنافقين وهو النار فيه العذاب .
ثم أرشد إلى ما يكون من المنافقين حينئذ فقال :
( يُنادُونَهُمْ أَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ ؟ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ )
أي ينادى المنافقون المؤمنين :