وقد وردت أحاديث كثيرة أن الجن بعد هذا وفدت على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم مرة بعد مرة ، وأخذت عنه الشرائع والأحكام الدينية .
ثم فصل ما قالوه لهم في إنذارهم .
( قالُوا : يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ )
أي قالوا لهم يا قومنا من الجن : إنا سمعنا كتابا أنزله اللّه من بعد توراة موسى ، يصدّق ما قبله من كتب اللّه التي أنزلها على رسله ، ويرشد إلى سبيل الحق ، وإلى ما فيه للّه رضا ، وإلى الطريق الذي لا عوج فيه .
وخصوا التوراة بالذكر لأنه متفق عليه عند أهل الكتابين . وقال عطاء لأنهم كانوا على اليهودية ، وهذا يحتاج إلى نقل صحيح .
( يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ )
أي يا قومنا أجيبوا رسول اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم إلى ما يدعوكم إليه من طاعة اللّه ، وصدقوه فيما جاء به من أمر اللّه ونهيه - يغفر لكم بعض ذنوبكم ويسترها لكم ولا يفضحكم بها في الآخرة بعقوبته لكم عليها ، وينقذكم من عذاب موجع ، إذا أنتم تبتم من ذنوبكم وأنبتم إلى ربكم ، وأخلصتم له العبادة .
وفي الآية إيماء إلى أن حكم الجن حكم الإنس في الثواب والعقاب والتعبد بالأوامر والنواهي .
ثم حذروا قومهم وتوعدوهم وأوجبوا إجابتهم داعى اللّه بطريق الترهيب إثر إيجابها بطريق الترغيب فقالوا :
( وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ )
أي ومن لا يجب رسول اللّه محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم إلى ما دعا إليه من التوحيد والعمل بطاعته ، فلا يفوت ربه ولا يسبقه هربا إذا أراد عقوبته على تكذيبه داعيه ، ولا يجد له نصراء ينصرونه ويدفعون عنه عذابه .