تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
روى أن موسى عليه السلام لما قطع البحر رجع ليضربه بعصاه حتى يلتئم خوفا من فرعون وجنوده أن يتبعوه ، فأمر أن يتركه كما هو حتى يدخلوه . وإنما أخبر موسى بغرقهم ليطمئن قلبه فيترك البحر كما هو . ولما أخبر بغرقهم ذكر ما خلفوه فقال :
( كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ . وَزُرُوعٍ . وَمَقامٍ كَرِيمٍ . وَنَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ )
أي كم ترك فرعون وقومه بعد مهلكهم من بساتين فيحاء ، وحدائق غنّاء ، وزروع ناضرة ، وقصور شاهقة ، فقد كانوا في بلهنية من العيش ، وسعة في الرزق ، وخفض ودعة ، وسرور وحبور . ثم أكد هذا بقوله :
( كَذلِكَ )
أي هكذا فعلنا بهؤلاء الذين كذبوا رسلنا ، وهكذا نفعل بكل من عصانا وخالف أمرنا .
( وَأَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ )
أي وأورثنا تلك البلاد بما فيها من خير عميم ، ونعيم عظيم ، قوما غير أهلها ممن لا يمتون إليهم بقرابة ولا دين ، فقد تغلب على مصر الآشوريون والبابليون حينا ، والحبش حينا آخر ، ثم الفرس مدة واليونان أخرى ثم الرومان من بعدهم ، ثم العرب ثم الطولونيون والإخشيديون والفاطميون والمماليك البرية والبحرية والترك والفرنسيون والإنكليز . وها نحن أولاء نجاهد لنحظى بخروجهم من ديارنا ونتمكن من استقلال بلادنا ، وللّه الأمر من قبل ومن بعد
« قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
. ثم سخر منهم واستهزأ بهم حين هلكوا فقال :
( فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ )
كان هؤلاء القوم يستعظمون أنفسهم ويظنون أنهم لو ماتوا لقال الناس فيهم ذلك على ما جرت به العادة في مهلك العظيم