تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 123

مساهمون:

ص١٢٣
ثم بين أنهم وعدوا الرسول أن يؤمنوا إذا كشف عنهم العذاب كما كان يحدث من قوم فرعون حين نزول الرجز بهم فقال :
( رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ )
أي ربنا إنا سنؤمن إن كشفت عنا العذاب ، وهذه هي طبيعة البشر إذا هم وقعوا في شدة أيا كانت أن يعدوا بالتوبة والإقلاع عما هم فيه ، ولكن النفوس الشريرة ، لا تتجه إلى فعل الخير ، ولا تفعل ما تتقرب به إلى ربها ، انتظارا لمثوبته ، ورجاء في غفرانه ورحمته . روى أنه لما اشتد القحط بقريش مشى أبو سفيان إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وناشده الرحم وواعده إن دعا لهم وزال ما بهم أن يؤمنوا . ثم نفى صدقهم في الوعد وبين أن غرضهم كشف العذاب فحسب فقال :
( أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى وَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ . ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ ؟ )
أي كيف يتذكرون ويتعظون ويفون بما وعدوا به من الإيمان حين يكشف عنهم العذاب ، وقد جاءهم الرسول بما هو كاف في رجوعهم إلى الحق فلم يرجعوا ، بل قال بعضهم : إن القرآن إنما يعلمه له غلام رومىّ لبعض ثقيف ، وقال آخرون : إنه أصيب بخبل إذ تلقى إليه الجن هذه الكلمات حين يعرض له الغشي . والخلاصة - إن التوبة إما أن تكون بما ينال الناس من النوائب ، وإما أن تكون بما يتضح لهم من الحقائق ، وهؤلاء قد اتضحت لهم وجوه الصواب فلم يفقهوا ، فأخذناهم بالعذاب ، ولكن كيف يرجعون به وقد ذكرناهم بالآيات وأريناهم الحقائق وهي أنجع أثرا من العقاب فلم يؤمنوا وقالوا ما قالوا . ثم نبه إلى أنهم لا يوفون بعهدهم ، بل إذا زال الخوف نكصوا على أعقابهم ورجعوا سيرتهم الأولى وعضّوا على الكفر بالنواجذ ، وساروا على طريق الآباء والأجداد فقال :
( إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ )
أي إنا رافعو هذا الضر النازل بهم بالخصب الذي نوجده لهم زمنا يسيرا ، وإنا لنعلم أنهم عائدون إلى سيرتهم الأولى من