تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 75

مساهمون:

ص٧٥
دفع البلاء بعد حلوله ، والتوفيق لما لم يوفق غيرهما لمثله ، مع إظهار فضلهما ، وإحراز المثوبة من ربهما . ثم علل رفعه لذلك البلاء وإزالته لتلك الغمة بقوله :
( إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ )
أي إنا كما عفونا عن ذبحه لولده ، بعد استبانة إخلاصه في عمله ، حين أعد العدّة ، ولم تتغلب عليه عاطفة البنوة ، فرضى بتنفيذ القضاء منقادا صاغرا - نجزى كل محسن على طاعته ، ونوفيه من الجزاء ما هو له أهل ، وبمثله جدير . ثم ذكر عظيم صبره على امتثال أمر ربه مع ما فيه من كبير المشقة في مجرى العادة فقال :
( إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ )
أي إن هذا الذي كان لهو محنة أيّما محنة ، واختبار لعباده لا يعدله اختبار ، وللّه عز اسمه أن يبتلى من شاء من عباده بما شاء من التكاليف وهو الفعال لما يريد ، لا رادّ لقضائه ولا مانع لقدره ، وكثير من التكاليف قد تخفى علينا أسرارها وحكمها ، وهو العليم بها وبما لأجله شرعها .
( وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ )
أي وفديناه بوعل أهبط عليه من جبل ثبير قاله الحسن البصري ، ولا علينا أن نزيد على ما جاء به الكتاب ، ومكان نزوله لا يهم في بيان هذه المنة التي امتن بها عليه . ثم ذكر أنه منّ عليه بمنة أخرى فقال :
( وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ )
أي وأبقينا له ذكرا حسنا بين الناس في الدنيا فصار محبّبا بين الناس جميعا من كل ملة ومذهب ، فاليهود يجلّونه ، والنصارى يعظمونه ، والمسلمون يبجّلونه ، والمشركون يحترمونه ، ويقولون إنا على ملة إبراهيم أبينا ، وذلك استجابة لدعوته حين قال :
« وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ . وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ »
.
تفسير المراغي — صفحة 75 | أحمد مصطفى المراغي