أيها الرسول : إن الخسران الذي لا خسران بعده - هو خسران النفس وإضاعتها بالضلال ، وخسران الأتباع الذين أضلوهم وأوقعوهم في العذاب السرمدي يوم القيامة إذ أوقعوهم في هلكة ما بعدها هلكة .
( أَلا ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ )
أي هذا هو الخسران المبين الظاهر لكمال هو له ، وفظاعة شأنه .
ثم فصل ذلك الخسران وبينه بعد إبهامه تهويلا وتعظيما لأمره فقال :
( لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ )
أي لهم أطباق متراكمة من النار بعضها فوق بعض كأنها ظلل ، ومن تحتهم مثلها ، والمراد من ذلك أن النار محيطة بهم من كل جانب .
ونحو الآية قوله :
« يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ »
وقوله :
« لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ »
.
( ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ )
أي إنما يقص عليكم ربكم خبر ما سيكون لا محالة ليزدجر عباده عن المحارم والآثام .
بعد هذا أمرهم بتقواه وحذرهم من عصيانه فقال :
( يا عِبادِ فَاتَّقُونِ )
أي يا عبادي بالغوا في الخوف والحذر والتقوى ، ولا تتعرضوا لما يوجب سخطي ، وهذه منة منه تعالى منطوية على نهاية اللطف والرحمة .
[ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 17 إلى 20 ]
وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ ( 17 ) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ ( 18 ) أَ فَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذابِ أَ فَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ ( 19 ) لكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ ( 20 )