تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
ثم بين الحكمة في إظهار آياته للناس ، فقال :
( ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْباطِلُ )
أي إنما يظهر آياته للناس ليستدلوا بها على أنه هو المستحق للعبادة ، وأن كل ما سواه هو الباطل الذي يضمحلّ ويفنى ، فهو الغنى عما سواه ، وكل شئ فقير إليه .
( وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ )
أي وأنه تعالى المرتفع على كل شئ ، والمتسلط على كل شئ ، فكل شئ خاضع له ، وهو الحكم العدل اللطيف الخبير . وبعد أن ذكر الآيات السماوية الدالة على وحدانيته أشار إلى آية أرضية ، فقال :
( أَ لَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ )
أي ألم تشاهد أيها الرسول السفن وهي تسير في البحر حاملة للأقوات والمتاع ، من بلد إلى آخر ، ومن قطر إلى قطر هو في حاجة إليها لينتفع الناس بما على ظاهر الأرض مما ليس في أيديهم . وفي هذا دليل على عجيب قدرته التي ترشدكم إلى أنه الحق الذي أوجد ما ترون من الأحمال الثقيلة على وجه الماء الذي ترسب فيه الإبرة فما دونها . ثم ذكر من يستفيد من النظر في الآيات ، فقال :
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ )
أي إن فيما ذكر لدلائل واضحات لكل صبار في الضراء ، شكور في الرخاء . قال الشعبي : الصبر نصف الإيمان ، والشكر نصف الإيمان ، واليقين الإيمان كله ، ألم تر إلى قوله :
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ »
. وقوله :
« وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ »
. وقال عليه الصلاة والسلام : « الإيمان نصفان : نصف صبر ، ونصف شكر » . ثم بين أن المشركين ينسون اللّه في السراء ويلجئون إليه حين الضراء ، فقال :
( وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ )
أي وإذا أحاطت بالمشركين الذين يدعون من دون اللّه الآلهة والأوثان - الأمواج العالية كالجبال ، وأحدق بهم الخطر من كل جانب حين يركبون السفن - فزعوا بالدعاء إلى اللّه مخلصين له الطاعة لا يشركون به شيئا ، ولا يدعون معه أحدا سواه ، ولا يستغيثون بغيره .
تفسير المراغي — صفحة 97 | أحمد مصطفى المراغي