تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
ثم ذكر أنه مع كل هذه الأدلة الظاهرة قد ماري بعض الناس دون برهان من عقل ولا مستند من نقل ، فقال :
( وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ )
أي وهناك فريق من الناس يجادل في توحيد اللّه وصفاته كالنضر بن الحارث وأبىّ بن خلف اللذين كانا يجادلان النبي صلى اللّه عليه وسلم في ذلك بلا علم من عقل ، ولا مستند من حجة صحيحة ، ولا كتاب مأثور يؤيد صحة ما يدّعون . ثم بين أنه لا مطمع في إيمان مثل هؤلاء ، لأنهم قد بلغوا الغاية في الغباوة ، واستسلموا للتقليد ، وتركوا الدليل وإن كان لائحا ظاهرا ، فقال :
( وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا )
أي وإذا قيل لهؤلاء المجادلين الجاحدين لوحدانية اللّه : اتبعوا ما أنزل اللّه على رسوله من الشرائع - لم يجدوا ردا لذلك إلا قولهم : إنا نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من دين ، فإنهم كانوا أهل حق ودين صحيح . فوبخهم سبحانه على تلك المقالة التي هي من حبائل الشيطان ووساوسه فقال :
( أَ وَلَوْ كانَ الشَّيْطانُ يَدْعُوهُمْ إِلى عَذابِ السَّعِيرِ ؟ )
أي أيتبعونهم على كل حال دون نظر إلى دليل ؟ فربما كان اعتقادهم مبنيا على الهوى وترّهات الأباطيل ، سداه ولحمته ما زينه لهم الشيطان من وساوس ، لا تستند إلى حجة ولا برهان . والخلاصة - أما كان لهم أن يفكروا ويتدبروا حتى يعلموا الحق من الباطل ، والصواب من الخطأ ، فإن الرجال بالحق وليس الحق بالرجال ؟ وفي هذا ما لا يخفى من تسفيه عقولهم وتسخيف آرائهم ، وأنهم بلغوا الدّرك الأسفل في هدم العقل ، وعدم الركون إلى الدليل مهما استبانت غايته ، واستقامت محجته