لا شريك له والتبري من الشرك وأهله ، وقد أوتى الرشد من صغره ، فهو من حين نشأ وترعرع أنكر على قومه عبادة الأصنام فقال لأبيه وقومه ما ذا تعبدون ؟ وهو مشاهد راء له ، ليعلمهم أن ما يعبدونه لا يستحق العبادة في شرع ولا عقل .
روى أنّ أصنامهم كانت من ذهب وفضة ونحاس وحديد وخشب فأجابوه إجابة المفتخر بما يفعل ، المزهوّ بجميل ما يصنع .
( قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً فَنَظَلُّ لَها عاكِفِينَ )
أي قالوا نعبد الأصنام ونقيم على عبادتها طوال ليلنا ونهارنا . وبعد أن أوضحوا له طريقتهم نبههم إلى فساد معتقدهم بسوق الدليل الذي يرشد إلى بطلانه .
( قالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ . أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ ؟ )
أي قال لهم :
هل يسمعون دعاءكم حين تدعونهم فيستجيبوا لكم ببذل معونة أو دفع مصرة ؟ .
ذاك أن الغالب من حال من يعبد غيره أن يلتجئ إليه في المسألة ليعرف مراده إذا سمع دعاءه ثم يستجيب له ببذل المعونة من جلب نفع أو دفع ضر ، فإذا كان ما تعبدونه لا يسمع دعاءكم حتى يعرف مقصودكم ، ولو عرف ما استطاع مدّ يد المعونة ، فكيف بكم تستسيغون لأنفسكم أن تعبدوا ما هذه صفته ؟ .
وحينئذ فلجت حجة إبراهيم ولم يجدوا مقالا يقولونه وكأنما ألقمهم حجرا ، فعدلوا عن الحجاج إلى اللجاج ، وتقليد الآباء والأجداد ، وتلك هي حجة العاجز المغلوب على أمره ، الذي أظلم وجه الحق أمامه ، ولم يهتد لحجة ولا دليل .
فزاد في تقريعهم وتوبيخهم كما أشار إلى ذلك سبحانه بقوله :
( قالُوا بَلْ وَجَدْنا آباءَنا كَذلِكَ يَفْعَلُونَ . قالَ : أَ فَرَأَيْتُمْ ما كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ . أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ ؟ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ )
أي إن كانت هذه الأصنام شيئا ولها تأثير كما تدّعون ، وتستطيع أن تضر وتنفع فلتخلص إلىّ بالمساءة فإني عدوّ لها ، لا أبالي بها ولا آبه بشأنها ، ولكن رب العالمين هو ولى في الدنيا والآخرة ، ولا يزال متفضلا علىّ فيهما .
ونحو هذا قول نوح عليه السلام
« فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ »
وقول هود :