وبعد أن أبانت ما في الحرب والمجالدة من الخطر أتبعته بما عزمت عليه من المسالمة بقولها :
( وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَناظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ ؟ )
أي وإني سأرسل إليه هدية من نفائس الأموال لأتعرف حاله وأختبر أمره ، أنبي هو أم ملك ؟ فإن كان نبيا لم يقبلها ولم يرض منا إلا أن نتبعه على دينه ، وإن كان ملكا قبل الهدية وانصرف إلى حين ، فإن الهدايا مما تورث المودة ، وتذهب العداوة ،
وفي الحديث : « تصافحوا يذهب الغل ، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء »
ولقد أحسن من قال :
هدايا الناس بعضهم لبعض * تولّد في قلوبهم الوصالا
وتزرع في الضمير هوى وودّا * وتكسبهم إذا حضروا جمالا
[ سورة النمل ( 27 ) : الآيات 36 إلى 37 ]
فَلَمَّا جاءَ سُلَيْمانَ قالَ أَ تُمِدُّونَنِ بِمالٍ فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ ( 36 ) ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لا قِبَلَ لَهُمْ بِها وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْها أَذِلَّةً وَهُمْ صاغِرُونَ ( 37 )
تفسير المفردات
لا قبل لهم بها : أي لا طاقة لهم بمقاومتها ، صاغرون : أي مهانون محتقرون .
الإيضاح
لما وصلت الهدية مع الرسول إلى سليمان وكانت من ذهب وجواهر ولآلى وغيرها مما تقدمه الملوك العظام ، قال سليمان للرسول : أتصانعونني بالمال لأترككم على شرككم وكفركم ؟ لن يكون ذلك أبدا ، إن الذي أعطانيه اللّه من النبوة والملك الواسع الأرجاء والمال الوفير - خير مما أنتم فيه ، فلا حاجة لي بهديتكم ، وليس رأيي في المال كما ترون ، فأنتم تفرحون به دونى ، فارجع بما جئت به إلى من أرسلك ،