لها طاقة بمقاومة عدوها ، وإن لم يجتمع أمرهم وحزمهم وجدهم كان ذلك عونا لعدوهم عليهم ، وإن لم تختبر ما عندهم وتعلم قدر عزمهم لم تكن على بصيرة من أمرهم ، وربما كان في استبدادها برأيها وهن في طاعتها ، وتعمية في تقدير أمرهم ، وكان في مشاورتهم وأخذ رأيهم عون على ما تريد من قوة شوكتهم وشدة مدافعتهم ، ألا ترى إلى قولهم في جوابهم :
( نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ )
على ما لها من عقل راجح وأدب جمّ في التخاطب .
وعلى هذا النهج سار الإسلام ، فقد قال سبحانه لنبيه
« وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ »
وقد مدح سبحانه صحابة رسوله بقوله :
« وَأَمْرُهُمْ شُورى بَيْنَهُمْ »
.
فأجابوا عن مقالها :
( قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ ، وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي ما ذا تَأْمُرِينَ )
أي قال الملأ من قومها حين شاورتهم في أمرها وأمر سليمان : نحن ذوو بأس ونجدة في القتال ، إلى ما لنا من وافر العدّة وعظيم العتاد وكثير الكراع والسلاح ، وإن أمر القتال والسلم مفوّض إليك ، فانظري وقلّبى الرأي على وجوهه ، ثم مرينا نأتمر بذلك .
ولما أحست منهم الميل إلى القتال شرعت تبين لهم وجه الصواب ، وأنهم في غفلة عن قدرة سليمان وعظيم شأنه ، إذ من سخر له الطير على الوجه الذي يريده ليس من السهل مجالدته والتغلب عليه .
( قالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوها وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِها أَذِلَّةً وَكَذلِكَ يَفْعَلُونَ )
أي قالت لهم حين عرضوا عليها أنفسهم لقتال سليمان : إن الملوك إذا دخلوا قرية فاتحين أفسدوها بتخريب عمائرها وإتلاف أموالها ، وأذلوا أهلها بالأسر والإجلاء عن موطنهم أو قتلوهم تقتيلا ، ليتم هلم الملك والغلبة ، وتتقرر لهم في النفوس المهابة ، وهكذا يفعلون معنا .
وفي هذا تحذير شديد لقومها من مسير سليمان إليهم ، ودخوله بلادهم .