على بعض ما أنعم اللّه به علينا من العجائب النبوية ، والآيات الإلهية ، لتعرف صدق نبوتنا ، ولتعلم أن ملكها في جانب عجائب اللّه وبدائع قدرته يسير ، وحينئذ تقدّم إليه بعض جنده بمقترحات .
( قالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ )
أي قال شيطان قوى أنا أحضره إليك قبل أن تقوم من مجلس قضائك وكان إلى منتصف النهار ، ثم زاد الأمر توكيدا فقال : وإني على الإتيان به لقادر لا أعجز عنه ، وإني لأمين لا أمسه بسوء ، ولا أقتطع منه شيئا لنفسي - حينئذ .
( قالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ )
أي قال سليمان للعفريت متحدثا بنعمة اللّه وعظيم فضله عليه : أنا أفعل ما لا تستطيع أنت ، أنا أحضره في أقصر ما يكون مدة ، أنا أحضره قبل ارتداد طرفك إليك ، وقد كان كما قال :
( فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قالَ هذا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَ أَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ؟ )
أي فلما رآه سليمان ساكنا ثابتا على حاله لم يتبدل منه شئ ولم يتغير وضعه الذي كان عليه قال هذا تفضل من اللّه ومنّة ليختبرنى : أأشكر بأن أراه فضلا منه بلا قوة منى أم أجحد فلا أشكر بل أنسب العمل إلى نفسي ؟
وإن النعم الجسمية والروحية والعقلية كلها مواهب يمتحن اللّه بها عباده ، فمن ضل بها هوى ، ومن شكرها ارتقى ، وهذا ما عناه سبحانه بقوله :
( وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ )
أي ومن شكر ففائدة الشكر إليه ، لأنه يجلب دوام النعمة ، ومن جحد ولم يشكر فإن اللّه غنى عن العباد وعبادتهم ، كريم بالإنعام عليهم وإن لم يعبدوه ، كما قال :
« مَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَساءَ فَعَلَيْها »
وقال :
« وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ »
وروى مسلم قوله صلى اللّه عليه وسلم حكاية عن ربه