هذا القرآن على رجل عربى بلسان عربى مبين فسمعوه وفهموه وعرفوا فصاحته وأنه معجز لا يعارض بكلام مثله وبشرت به الكتب السالفة ومع هذا لم يؤمنوا به ، بل جحدوه وسمّوه تارة شعرا وأخرى كهانة ، فلو أنا نزّلناه على بعض الأعجمين الذي لا يحسن العربية فقرأه عليهم لكفروا به أيضا ، ولتمحلوا لجحودهم عذرا وقالوا له :
لا نفقه ما يقول كما قال في آية أخرى :
« وَلَوْ جَعَلْناهُ قُرْآناً أَعْجَمِيًّا لَقالُوا لَوْ لا فُصِّلَتْ آياتُهُ »
.
وفي هذا تسلية من اللّه لرسوله محمد صلى اللّه عليه وسلم على ما حصل من قومه لئلا يشتد حزنه بإدبارهم عنه وإعراضهم عن الاستماع له .
والخلاصة - إنا لو نزلناه على بعض الأعجمين : « لا عليك فإنك رجل منهم ويقولون لك ما أنت إلا بشر مثلنا وهلا نزل به ملك » فقرأه ذلك الأعجم عليهم ولم يكن لهم علة يدفعون بها أنه حق وأنه منزل من عندنا ما كانوا به مصدقين ، فخفض من حرصك على إيمانهم به ، فإنهم لا يؤمنون به على كل حال .
ثم وكّد هذا الإنكار أفضل توكيد فقال :
( كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ )
أي كما أدخلنا التكذيب به بقراءة الأعجم ، أدخلنا التكذيب به في قلوب المجرمين كفار قريش .
وفي ذلك إيماء إلى أن ذلك التكذيب صار متمكنا في قلوبهم أشد التمكن وصار كالشىء الجبلىّ الذي لا يمكن تغييره .
ثم زاد ذلك توكيدا فقال :
( لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ )
أي إنهم لا يتأثرون بالأمور الداعية إلى الإيمان ، بل يستمرون على ما هم عليه حتى يعاينوا العذاب ، حين لا ينفع الظالمين معذرتهم ولهم اللعنة ولهم سوء الدار .
وإجمال ما تقدم - هكذا مكنا التكذيب وقررناه في قلوبهم ، فكيفما فعل بهم ، وعلى أي وجه دبر أمرهم ، فلا سبيل إلى أن يتغيروا عما هم عليه من جحوده