وفي قوله : على قلبك إيماء إلى أن ذلك المنزّل محفوظ ، وأن الرسول متمكن منه ، إلى أن القلب هو المخاطب في الحقيقة لأنه موضع التمييز ، والعقل والاختيار وسائر الأعضاء مسخرة له ، يرشد إلى ذلك قوله تعالى :
« إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ »
وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ، وإذا فسدت فسد الجسد كله ، ألا وهي القلب » أخرجاه في الصحيحين
ولأن القلب إذا غشّى عليه وقطع سائر الأعضاء لم يحصل له شعور ، وإذا أفاق القلب شعر بجميع ما ينزل بالأعضاء من الآفات .
وفي قوله : بلسان عربى مبين ، تقريع لمشركي قريش بأن الذي حملهم على التكذيب هو الاستكبار والعناد ، لا عدم الفهم ، لأنه نزل بلغتهم ، فلا عذر لهم في الإعراض عنه .
( وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ )
أي وإن ذكر هذا القرآن والتنويه بشأنه لفى كتب الأولين المأثورة عن أنبيائهم الذين بشروا به في قديم الدهر وحديثه ، وقد أخذ عليهم الميثاق بذلك وبه بشر عيسى بقوله :
« وَمُبَشِّراً بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ »
.
( أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ ؟ )
أي أوليس بكاف لهم شهادة على صدقه أن العلماء من بني إسرائيل نصوا على أن مواضع من التوراة والإنجيل فيها ذكر الرسول صلى اللّه عليه وسلم بصفته ونعته ، وقد كان مشركو قريش يذهبون إليهم ويتعرفون منهم هذا الخبر .
ذكر الثعلبي عن ابن عباس أن أهل مكة بعثوا إلى أحبار يثرب يسألونهم عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، فقالوا : هذا أوانه وذكروا نعته .
وبعد أن أثبت بالدليلين السالفين نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ، ذكر أن هؤلاء المشركين لا تنفعهم الدلائل ، ولا تجديهم البراهين فقال :
( وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ . فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ )
أي إنا أنزلنا