تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠

المعنى الجملي

بعد أن أبان فيما سلف أنه تعالى يقضى بين أرباب الفرق السالفة يوم القيامة وهو شهيد على أقوالهم وأفعالهم - أردف هذا ببيان أنه ما كان ينبغي لهم أن يختلفوا . ألا يرون أن جميع العوالم العلوية والسفلية كبيرها وصغيرها ، شمسها وقمرها ونجومها ، وجبالها وحيوانها ونباتها - خاضعة لجبروته مسخرة لقدرته ، وقد كان في هذا مقنع لهم لو أرادوا - ولكن من يهنه اللّه ويكتب عليه الشقاء فلا يستطيع أحد أن يسعده . فاللّه وحده هو القدير على الإشقاء والإسعاد .

الإيضاح

( أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ )
أي ألم تعلم أيها المخاطب بهذا أن هذه الخلائق مسخرة لقدرة بارئها ، وجبروت منشئها ، منقادة لإرادته طوعا أو كرها فهي مفتقرة في وجودها وبقائها إليه ، فهو الذي أنشأها ورتّبها ، وأكمل وجودها على النحو الذي أراده ، والحكمة التي قدرها لها في البقاء . وأفرد الشمس وما بعدها بالذكر لأنها قد عبدت من دون اللّه ، فعبدت الشمس حمير ، والقمر كنانة ، والشّعرى لخم ، والثريّا طي ، والمصريون عبدوا العجل ( أبيس ) وعبدت العزّى - شجرة - غطفان .
( وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذابُ )
أي وكثير منهم لا يسجدون فاستحقوا بذلك العذاب
( وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ )
أي ومن يهنه اللّه من خلقه فيكتب له الشقاء لسوء استعداده فما له من مكرم يسعده ، لأن الأمور كلها بيده يوفق من يشاء لطاعته ، ويخذل من يشاء لتدسيته نفسه ، واجتراحه للسيئات ، وارتكابه للآثام والمعاصي .