تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 69

مساهمون:

ص٦٩

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه أن الرسول صلى اللّه عليه وسلّم كان في محنة من قومه إذ كذبوه وتوعدوه حين حدثهم بالإسراء وشجرة الزقوم ، وأنهم نازعوه وعاندوه واقترحوا عليه الآيات حسدا على ما آتاه اللّه من النبوة ، وكبرا عن أن ينقادوا إلى الحق - بين أن هذا ليس ببدع من قومك ، فقد لاقى كثير من الأنبياء من أهل زمانهم مثل ما لاقيت ؛ ألا ترى أن آدم عليه السلام كان في محنة شديدة من إبليس ، وأن الكبر والحسد هما اللذان حملاه على الخروج من الإيمان والدخول في الكفر ؛ والحسد بليّة قديمة ، ومحنة عظيمة للخلق

الإيضاح

ذكر سبحانه قصص آدم في سبع سور : البقرة . الأعراف . الحجر . الإسراء . الكهف ، طه . ص . وقد تقدم الكلام فيها فيما سلف من تلك السور ؛ وها نحن أولاء نفسرها في هذه السورة .
( وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قالَ أَ أَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً ؟ )
أي واذكر أيها الرسول لقومك عداوة إبليس لآدم وذريته ، وأنها عداوة قديمة منذ خلق آدم ، فإنه تعالى أمر الملائكة بالسجود فسجدوا كلهم إلا إبليس استكبر وأبى أن يسجد له افتخارا عليه واحتقارا له ، وقال أأسجد لمن خلقته من الطين ، وأنا مخلوق من النار كما جاء في الآية الأخرى :
« أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ » *
فكفر بنسبة ربه إلى الجور بتخيله أنه أفضل من آدم من قبل أن الفروع ترجع إلى الأصول ، وأن النار التي هي أصله أكرم من الطين الذي هو أصل آدم ، وقد فاته أن الطين أنفع من النار ؛ ولئن سلم غير هذا فالأجسام كلها من جنس واحد ، واللّه هو الذي أوجدها من العدم ، ويفضّل بعضها على بعض بما يحدث فيها من الأعراض .